فهرس الكتاب
(( (( ... قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(70) ... )). تأملوا لغة الخطاب لديهم (( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) ).. إنه منتهى الجفاء والغلظة وعدم احترام الله عز وجل وعدم احترام الرسول عليه السلام .. فالله ربهم ورب موسى ورب الناس أجمعين .. كان المفروض أن يقولوا (( ربنا ) ).. ولكنهم قالوا لموسى (( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) ).. ليس هذا فقط .. بل وكذلك (( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) ).. وهذا من أغرب المواقف .. لأن الله أعطاهم الهداية ممثلة في (( التوراة ) ).. وفي موسى عليه السلام الذي يبلغهم أوامر الله سبحانه وتعالى تباعا .. الهداية موجودة أساسا ومسئوليتهم أساسا التطبيق والسمع والطاعة .. والحقيقة أن هذا الموقف ليس موقف بني إسرائيل فقط .. بل إن كثيرا من الناس لما تحدثهم في وجوب طاعة الله عز وجل .. وفي الصلاة والزكاة وفي بقية أركان الدين .. يقولون لك (( إن شاء الله نهتدي ) )وذلك تهربا من القيام بالواجب .. حتى أصبح كلامهم عن (( إن شاء الله ) )يعني عدم الوفاء بأي التزام .. وهو موقف غريب ومستهجن ولا يليق بمن آمن .. وفوض أمره لله ظاهرا وباطنا .. وهذا هو موقف بني إسرائيل الذين أمعنوا في التهرب من الطاعة بكل وسيلة .. وطالبوا بمزيد البيان والمعلومات عن البقرة المطالبين بذبحها .. (( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71) ... )).. لا ذلول: ودابة ذَلُولٌ، الذكر والأُنثى في ذلك سواء: أي سهل منقاد من الذل فرس ذلول يسير رويدا - وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ - الحرث: إلقاء البذر في الأرض وتهيؤها للزرع، ويسمى المحروث حرثا، الحرث بمعنى المحروث ويقصد به الزروع والثمار، لاَ شِيَةَ فِيهَا لا لون فيها يخالف لون جلدها. وأصله من وشي الثوب، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته، الشيةُ: كلُّ لون يخالفُ مُعظَم لون الفَرس وغيره، وأصلُه من الوَشْي، والهاءُ عوضٌ من الواو المحذوفةِ ..
جاءهم موسى بأوصاف البقرة .. فهل يمتثل بنو إسرائيل للأمر؟ .. وهل يسارعون إلى الطاعة؟ .. ما كل مرة تسلم الجرة .. فبناء على عنادهم وعصيانهم سقط عنهم الأجر؟ .. كان يمكنهم أن يحصلوا على ثواب الله الجزيل لو بادروا بالسمع والطاعة ولا شيء غير السمع والطاعة .. ولكن بناء على عصيانهم وجدالهم سقط عنهم الأجر والثواب .. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في شأنهم (( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71) ... )).. تبيانا لحقيقتهم ومآلهم وحتى يكونوا عبرة لمن يعتبر .. (( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ... )).. فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا: هو تفاعلتم، أصله: تدارأتم، فأريد منه الإدغام تخفيفا، وأبدل من التاء دال فسكن للإدغام فاجتلب لها ألف الوصل فحصل على افاعلتم. قال بعض الأدباء: ادارأتم: افتعلتم، أي: اختلفتم وتنازعتم، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: تعقلون تفهمون معانيه .. الحديث عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ردئ، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله) انتهى .. وبذلك انتهت مغامرتهم مع موسى تبيانا لعصيانهم المتكرر لأوامر الله أرادها الله تفصيلا حتى يبين زيفهم ومكرهم وغشهم وخداعهم .. قال العلماء: تم ضرب الميت بفخذ البقرة فأحياه الله سبحانه وتعالى الحي الذي لا يموت .. وأخبر القتيل عن قاتله وهو ابن أخيه ثم عاد إلى حالته .. وأجمل خاتمة ختمها الله الخلاق العليم ما أشار إليه من استخدام العقل .. ترى هل استخدم بنو إسرائيل العقل .. هل أحصوا النعم التي أسبغها عليهم الله سبحانه وتعالى؟ .. هل شكروا النعم صلاة واستقامة وبرا وطاعة وزكاة؟ .. الغريب أنهم انكفئوا على أنفسهم قسوة وعنادا ولم يستفيدوا من الدروس .. ولم يأخذوا عبرة مما وقع لهم .. (( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(74) ... ))..
في هذه المرة بين بالدليل الملموس زيفهم وبهتانهم وقسوة قلوبهم .. وأعطانا مثل الحجارة .. هل هناك أصلب من الحجارة التي يتفجر منها الماء رواء للبشر؟ .. الحجارة فيها الرحمة .. فيها الماء .. فيها الدليل على إعجاز الله وقدرته .. فيها التسبيح والاستغفار .. فيها عالم آخر من قدرات الله وإعجازه .. ولكن بني إسرائيل قلوبهم أقسى من الحجارة .. ولذلك لا يتوقع منهم العالم إلا الأسوأ .. (( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا