فهرس الكتاب
المسالك في اتخاذ وسيلة لذلك .. حتى يكون كلامنا مقبولا ودعوتنا مستجابة .. وحتى نعطي لكل ذي حق حقه .. وكالعادة فاليهود الذين ضرب بهم المثل في لغة الخطاب قد ضربوا الرقم القياسي في الإستهتار بلغة الخطاب .. وكلمة (( راعنا ) )الواردة في الآية الكريمة خير دليل على ذلك (( ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(104) ... ))..
راعنا من الرعونة والحمق كان اليهود إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا راعنا .. وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راعنا سمعك استهزاء به .. وكلمة واحدة كافية لأن توقع المرء مع الكافرين .. بل قولوا (( انظُرْنَا ) )أي فهمنا يا رسول الله .. أي علمنا .. لغة الخطاب لها دور أي دور في العلاقة بين المتكلم والمخاطب .. وهي تنم عن وعي وعقيدة وأدب أو تنفيه بحسب محتواها .. ولكن المدهش أنها تنفي الإيمان وتلقي المرء في بوتقة الكفر .. وبالتالي على المؤمن أن ينتبه لكلامه فلا يتكلم بالكلام على عواهنه .. قال الأَزهري: وفي الحديث: وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إِلاَّ حصائد أَلسنتهم؟ أَي ما قالته الأَلسنة وهو ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه، واحدتها حَصيدَةٌ تشبيهًا بما يُحْصَدُ من الزرع إِذا جذ، وتشبيهًا للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به.
ولكن لماذا يسخر الكافرون من ديننا الإسلامي الحنيف دين الرحمة والتسامح؟ .. السبب بسيط .. إنه الحسد .. إنهم يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله .. والحسد ينتج عنه أعمال تعود بالوبال على الحاسد ذاته .. ولكنها لا تصيب المؤمن إلا بخير .. وكل المؤمن خير .. إنه شاكر لأنعم ربه في السراء وله الأجر .. وصابر على البلاء وله كذلك الأجر .. وأكرم بها وأنعم من حياة الإيمان كلها أجر ومثوبة عند الله سبحانه وتعالى .. (( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(105) مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) ... )).. إنه فضل الله يؤتيه من يشاء .. لأنه ينظر إلى القلوب لا إلى الأشكال والصور .. ولكن الملفت للنظر هنا مسالة النسخ .. (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ) )فما النسخ؟ ..
جاء في لسان العرب:
والنَّسْخ: إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه ..
وبالتالي يكون معنى (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ) )أي نغير حكمها أو نبدل فرضها .. وهذا ما يغيب عن المتسرعين وعن الكافرين والمنافقين الذين تغيب عنهم أحكام الشريعة وضرورة المرحلة .. بحيث يعطي الله سبحانه وتعالى لكل مرحلة حكما انتقاليا وبيانا لتجاوز تلك المرحلة ينقضي بانقضائه وهو الله العلي القدير المحيط بكل شيء خلق الخلق ويعلم ما يصلح لهم في الدنيا والآخرة سبحانه وتعالى عما يصفون (( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106) ... )).. بلى إنه هو الله الرحمان الرحيم الملك القدوس السلام الفعال لما يريد .. ولا راد لحكمه .. جعل القرآن الكريم تبيانا لسعادتنا لو كنا نستخدم العقل حق الإستخدام ..
فالله سبحانه وتعالى هو مصدر التشريع .. وهو خير الفاصلين .. ولو تأمل الإنسان ملك الله الواسع لتأكد بالدليل المادي الملموس سعة ملك الله .. وأن الله أرحم بنا من أنفسنا لأنفسنا .. فأين المهرب وأين المفر؟ .. والله سبحانه وتعالى هو الذي شملنا برحمته الواسعة .. إنه ولينا والولي في الله هو المحب والنصير .. فهو يحب المؤمنين الحقيقيين وينصرهم في الدنيا والآخرة وعدا عليه حقا .. وهل أصدق من الله وعدا؟ .. (( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ(107) ... )).. يجب أن تتأكد وتعلم علم اليقين .. لأن الله قال لك (( أَلَمْ تَعْلَمْ ) ): وعلم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. ان الله هو الملك وانه لا مهرب لك منه إلا إليه .. وبالتالي عليك أن تؤمن وتسلم أمرك لله من بعد اتخاذ الأسباب .. حبا في الله وتعلقا بمرضاته في الدنيا والآخرة التي لا شك فيها إطلاقا ..
إنه التأكيد من وراء التأكيد على حسن الأدب مع الله عز وجل ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كي لا يضيع المؤمن عمله وأجره وراء كلمات قد يستسهلها وإذا بها توقعه في الهاوية .. إن الدين جد في جد ولا يقبل الهزل .. وإنه التزام تام وكامل يشمل كل مناحي الحياة الخاصة منها والعامة .. فعلينا الحذر كل الحذر في لغة الخطاب والسؤال والتعامل مع هذا الدين .. (( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(108) ... ))..