فهرس الكتاب
قال النحاة في هذا المقام أم تريدون على معنى الإستفهام: أي هل تريدون أن تسألوا محمدا عليه الصلاة والسلام أن تروا الله جهرة كما طلب اليهود من موسى؟ .. إنه الطلب المستحيل الذي قد يوقعكم في المهالك .. (( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(109) ... )).. هنا آية منسوخة .. لأن حكم الله جاء فيما بعد بقتال الكافرين حيث قال عز من قائل: (( قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29) . ))- التوبة: 29 .. ويبقى السؤال قائما ما المطلوب من المؤمن كي يستقيم على الطريقة؟ .. الجواب يأتي على الفور من رب العزة لعباده المؤمنين الذين استقاموا على الطريقة قولا وفعلا نية وعملا لا يخشون في الله لومة لائم .. (( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(110) ... )).. أقام الشيء: أدامه .. أي إن المؤمن مطالب بالمحافظة على الصلاة والدوام عليها .. مصداقا لقوله تعالى في مقام آخر: (( إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103) . )). - النساء .. فالصلاة هي عماد الدين وإنما سميت صلاة لأنها صلة بالله العزيز القدير .. لا واسطة فيها بين المؤمن وخالقه .. يرتفع فيها العقل والروح وكل الإنسان إلى الخلاق العليم .. كي يسبح الله خالقه وينزهه عن الشريك وكي يطلب منه التوفيق في الدارين .. وكذلك الزكاة .. وإنما سميت زكاة لأنها من معانيها الطاهرة أو النماء .. وهي عبادة مالية قرينة الصلاة وصنوها ومرتبطة بها ارتباطا لا انفصام له إلي قيام الساعة .. وتجد الزكاة دوما مرتبطة بالصلاة .. حتى لا يحسب أي كان أن الصلاة وحدها كافية .. وكذا بقية صنوف الإنفاق والبذل ولا يحقرن المرء من المعروف شيئا ولا من البذل يسيرا ولا زهيدا واتقوا النار ولو بشق تمرة .. فحياة المؤمن كلها بذل وعطاء ماديا ومعنويا روحا وجسدا وكسبا .. إن المؤمن يعيش حالة عبادة مستمرة في حله وترحاله لنفسه ولغيره .. ودائم الارتباط بربه ودائم التوجه إليه يرجو مرضاته في الدارين .. ولذلك قال فيما بعد (( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ) ).. فالمؤمن في حالة زرع دائم وفي حالة حصاد مستمر .. كثر خير الله وطاب .. الله سبحانه وتعالى الذي خلقنا للعبادة في كل معانيها السامية .. ويعلم منا كل شيء سرنا وجهرنا .. ما قدما وما أخرنا .. (( إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(110) ... )).. فإياك أن تظن أن الله غافل عنك .. أو أنه لا يعلم منك كل شيء .. وبالتالي تتحقق تلك المعادلة العجيبة التي قالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه .. فإن لم تكن تراه فإنه يراك ... فحياة المؤمن واضحة لا لبس فيها ولا التباس .. متسقة الأبعاد حياة العبادة الدائمة في أشكالها المادية منها والمعنوية صلاة وزكاة وبذلا وعطاء .. عملا للدنيا وللآخرة .. إن رؤية المؤمن واضحة .. إنه مستقر النفس والفكر والجسد .. مستقر بكل معاني الإستقرار وآمن بكل معاني الأمن والأمان سعادته في صدره .. وجنته في صدره حبا لله وطاعة لله .. يتذوق حلاوة الإيمان والتوحيد والطاعة .. سعادته في طاعة الله الذي أوجده ولا يشرك به ويعبده لا يعبد له قرينا أو شريكا أو شبيها .. له ثقة تامة في الله الذي وعده خيرا ومن أصدق من الله وعدا لقوم يؤمنون؟ .. إن المؤمن يرنو إلى مرضاة الله .. إلى الجنة حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت لا خطر على قلب بشر .. إن وعد الله لا يتخلف .. ولكن ماذا يقول أهل الكفر من اليهود والنصارى؟ .. انهم يزعمون أن الجنة خصت بهم؟ .. ولهم وحدهم؟ .. مقصورة على اليهود والنصارى؟؟؟ ... هكذا زيفا وبهتانا .. وكأنهم أخذوا عهدا من الله بذلك وهو منتهى التجنى على الله سبحانه وتعالى ورجما بالغيب:
(( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (112) ... )). )) ..