فهرس الكتاب
(( ... سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (145) ... )).
صدق الله العظيم
(سورة البقرة)
* التحليل:
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم شفاء للمسلمين .. كي يكون نبراسهم ودستورهم والنور الذين يهتدون به في ظلمت الشرك والإلحاد .. وكي يكون أنيسهم في الوحشة والحكم الفصل بينهم فرادى وجماعات .. إليه يرد الأمر كله .. وإليه يعود أهل العلم والحكمة لا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد .. والهدف الرئيس للقرآن الكريم هو بعث فرد مسلم على قواعد سليمة وبعث مجتمع مسلم على أسس ثابتة من الوعي والعلم والعدل والإعتدال .. هذا مما لا شك فيه ولا اختلاف .. وحيث إن الأفراد والمجتمعات تمر بمراحل في مستوى التكوين .. من الضعف إلى القوة والتهالك فإن القرآن الكريم جاء لرأب الصدع ورتق الفتق .. فبدأ أول ما بدأ بتصحيح الأفهام والأذهان والعقيدة على أسس ثابتة لا ارتجاج فيها .. أول هدف جاء من أجله القرآن الكريم هو رد الناس كل الناس في كل مكان وزمان إلى الدين الحق .. دين التوحيد الخالص .. من آدم إلى قيام الساعة .. على أساس أن الدين الحق عند الله هو الإسلام .. وما من نبي أو رسول إلا جاء من لدن الله سبحانه وتعالى ليأمر بعبادة الله الواحد لا شريك له ولا زوجة له ولا ولد .. وليذكر ولعل الذكرى تنفع المؤمنين أن الله سبحانه وتتعالى أكبر من كل كبير ... وانه فوق مستوى التشبيه والنقصان والحدثان .. خلق الكون والحياة والإنسان لامتحان معين ولاختبار مؤقت زمانا ومكانا .. وأن الزمان والمكان خلقهما الله سبحانه وتعالى اختبارا للإنسان الذي عليه أن يدرك أن الله سبحانه وتعالى القوي المتين الوكيل محيط بكل شيء .. وفوق كل شيء ومع كل شيء .. إلى قيام الساعة .. وبالتالي فأينما توجه المرء يجد الله معه وهو اقرب إليه من حبل الوريد ..
من هذا المنطق كانت مسألة القبلة في حياة المسلمين .. فقد صلى الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام وقبلته بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا .. ثم جاء الأمر بتغيير القبلة .. مسألة عادية .. وعادية جدا .. لأننا نعبد الله ولا نعبد القبلة .. القبلة هي رمز .. هي توحيد المسلمين في توجههم حتى لا يختلفوا ولا يتفرقوا .. (( ... سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142) ... )).. من هم لسفهاء؟ ..
جاء في لسان العرب: السَّفَهُ والسَّفاهُ والسَّفاهة: خِفَّةُ الحِلْم، وقيل: نقيض الحِلْم، وأَصله الخفة والحركة، وقيل: الجهل وهو قريب بعضه من بعض ..
والسفهاء في هذه الآية هم المنافقون .. الذين يتصيدون الفرص لإيذاء المسلمين .. وقد غابت عنهم الحقائق والحكم من وراء تغيير القبلة .. وانها كانت من ضمن ما كانت امتحانا لنفوسهم المهزوزة ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا أبو نعيم: سمع زهيرا، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل