فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 1691

البيت، وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: (( وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) )..

إذن يتألم الكفار والمنافقون من الخير الذي أنعمه الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين .. ويحز ذلك في نفوسهم .. ويودون لو يردوهم إلى انحرافهم .. وحين يعمي الله قلوب الكافرين والمنافقين تصبح أعجز من أن ترى الحق المبين .. وتهلك باختيارها الواعي المسئول حيث اختارت الكفر والنفاق عن سبق إضمار وترصد .. وأرادت الإضرار بمجتمع المسلمين ولم تسمع لكلمة الحق .. والحال أن القبلة كرمز وكامتحان لا تغير من مسالة الإيمان شيئا .. والله ينظر إلى قلوبنا لا إلى أجسامنا .. حيث إن النية مناط الحساب والجزاء .. والعبادة تكون خالصة لله وحده دون شريك ولا شبيه ولا نظير ودون رياء .. ولقد اختار الله المسلمين لهذه المهمة .. مهمة حسن العبادة ومهمة حسن الأداء والبيان والدعوة لاتباع الإسلام الحق دين الرحمة والتسامح والوضوح والبساطة في كل شيء .. (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143) ... )).. وبذلك سقط المنافقون والكافرون في الفخ الذي نصبوه لأنفسهم .. حيث أعلم الله أن من صلى قبل تحويل الكعبة له أجره ولا يضيع له الله سبحانه وتعالى من أجره شيئا .. وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ويحشر الناس على نياتهم .. (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ).. لاحظ هنا كيف استعمل كلمة الإيمان (( إِيمَانَكُمْ ) )للتعبير عن الصلاة .. إبرازا لقيمتها .. وتلخيصا لها كي تحمل قيم الدين كله .. وبالفعل فالصلاة هي عماد الدين .. وبين المرء والكفر ترك الصلاة ..

إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له مقام كريم عند الله سبحانه وتعالى .. ولذلك حقق الله رغبته التي أسرها ولم يعلنها أدبا في تغيير القبلة .. كان عليه والصلاة والسلام يصلي وقبلته بيت المقدس ويقلب بصره في السماء .. حبا في الكعبة وتعلقا بها .. والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. حقق لرسوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام هذه الرغبة في التوجه إلى القبلة .. ليحقق عدة أشياء .. أولها محبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. وثانيها تحقيق الإمتحان للمؤمنين ووضع إيمانهم على المحك في السمع والطاعة لله ولرسوله .. وثالثها بيان واستمرار الدين الإسلامي الحنيف الذي يدرك الكفار قبل غيرهم أنه حق .. ورابعها أن الإسلام هو الدين الأول والآخر أحبوا أم كرهوا وان استكبارهم في الأرض لن يغني عنهم من الله شيئا .. (( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون(144) ... ))... شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: جاء في لسان العرب عن معنى الشطر: وشَطْرُ كل شيء: نَحْوُهُ وقَصْدُه .. ولا فعل له. وقال أَبو إِسحق: الشطر النحو، لا اختلاف بين أَهل اللغة فيه. قال: ونصب قوله عز وجل: شطرَ المسجد الحرام، على الظرف ..

إذن نسخت هذه الآية ما كان قبلها من حكم التوجه إلى بيت المقدس .. وإن علماء وأحبار اليهود والمسيحيين ليعلمون حق العلم أن الله أمر إبراهيم عليه السلام بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة .. فلماذا يجادلون بالباطل؟ .. ومرة أخرى ينذرهم الله سبحانه .. ويؤكد لهم أنه غير غافل أي غير ساه عنهم وعن أعمالهم .. (( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون ) ).. فلماذا إذن هذا الإشكال؟ .. لسبب بسيط وهو إصرار كل فريق على اتباع طريقته المعوجة دون الإذعان للحق المبين الذي جاء من لدن الله سبحانه وتعالى .. فالمسيحيون واليهود كل طرف متمسك بطريقته لا يبغي عنها حولا .. ولا يستقرئون التاريخ .. ولا يستفيدون من الدروس والعبر .. ولا يذعنون للحق المبين .. وبينهم خلافات ضاربة في القرون ونزاعات لا تنتهي .. يبينها الله عز وجل بقوله عز من قائل: (( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت