فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 1691

الناس ويعلم ما يصلح لهم دنيا وآخرة .. لأنه خلقهم ويعلم خبيئة أبدانهم وعقولهم وأرواحهم وبالتالي ما يصلح لهم في الدارين .. فلم النقاش الفارغ؟ .. فيما يتعلق بمأكلهم ومشربهم وطرق البذل والعطاء حتى لا تبقى زيادة لمستزيد .. وحتى ينجلي اللبس والإلتباس .. والله سبحانه وتعالى حين يضع هذه الأحكام ويقدمها للمؤمنين إنما كي يكون مجتمعهم مجتمع التطبيق والقدوة الحسنة لا القدوة الكلامية التي لا تتجاوز التراقي .. ومجتمع الفعل قبل القول .. ومجتمع البذل والعطاء روحا ومادة .. ومجتمعا يعيش لغيره قبل أن يعيش لذاته .. (( ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172) ... )).. بدأ الله سبحانه وتعالى الخطاب للمجتمع الإسلامي بالتوجه مباشرة إلى المؤمنين فلا واسطة في الدين بين الله والعبد .. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) ).. إن كنتم مؤمنين حقا عليكم بالتطبيق دون نقاش .. فالأمر لا يقبل النقاش أو التزيد .. إنه أمر الله .. الله أمر وانتهى الموضوع .. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) ).. نبههم إلى عامل هام في الطاعة .. الإيمان .. المؤمن لا يجادل الله عز وجل .. ولا يجادل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ولا يجادل القرآن الكريم .. هذه المصادر الثلاث لا تقبل الجدال .. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) ).. الأمر يختص بكم .. إن فعلتم اتصفتم بصفة الإيمان .. وإن عصيتم نزع منكم الإيمان .. المسألة جد في جد .. ولا تقبل الهزل أو الجدل .. أو التقسيط .. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) ).. إن مجتمعا يخاطبه الله سبحانه وتعالى حري به أن يسمع ويطيع .. حري به أن يعطي الأمثولة الرائعة إلى قيام الساعة التي لاشك فيها إطلاقا .. (( ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172) ... ) .. الرزق رزق الله قبل كل شيء .. وإذا أقر المجتمع الإسلامي بأن الرزق رزق الله .. فمن واجبه أن يشكر الله على رزقه .. والشكر لا يكون ببضع كلمت يقولها في المناسبات والأعياد .. الشكر ليس همهمات .. وليس شقشقة لفظية تنبئ عن قلوب خاوية .. الشكر يكون في الزكاة أو العطاء كما سيأتي بيانه .. الشكر يكون بإعطاء حق الفقير والسائل والمحتاج .. المجتمع الإسلامي مطالب بالتناول من رزق لله وألا يحرم فيه حلالا أو يحل حراما إلا بأمر الله .. وليس كبعض المجتمعات التي تدعي أنها نباتية وتحرم ما أحل الله وتحل ما حرم الله .. كل شيء خلقه لنا الله سبحانه وتعالى هو مبدئيا حلال طيب فيه نفعنا وفيه الدليل على وجود الله واحدا لا شريك له .. وما دام الأمر كذلك فمن واجبنا إعطاء حق ذلك الرزق بالصدقة والزكاة وليس بالكلام .. طيب الكلام معقول ومقبول في مستوى الإقرار والإعتراف الظاهري والباطني بأن كل شيء من فضل الله وعظيم عطائه .. ولكن مباشرة بعدها وقبلها يكون العطاء والبذل (( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ... ) ).. والشكر مادي ومعنوي .. مادي بالبذل والعطاء لحق الله .. وسد حاجة المحتاج حتى دون أن يطالبك المحتاج فبعض النفوس كريمة وعزيزة وأبية وتترفع عن مذلة السؤال .. ولا تحقرن من المعروف شيئا .. من باب الشكر أن تتصدق .. ومن باب الشكر أن تزكي .. ومن باب الشكر ألا تأكل وحدك ومن باب الشكر .. أن تشرك غيرك في الفرحة الدائمة .. وأن تجعل أيامك وأيام أهلك وأجوارك ومجتمعك مجتمع الفرحة والتراحم .. هذا هو الشكر العملي الذي لا لبس فيها ولا التباس .. هذا هو الشكر الذي هو قرين العبادة .. وبعض الناس يحسبون العبادة هي الصلاة وحدها .. ويمنعون حق الله في المال مهما كان كسبه .. ولا تحقرن من المعروف شيئا واتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة .. أرأيتم ما أوسع الإسلام وما أرحمه؟ .. شملنا جميعا (( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ... ) ).. حياة المؤمن كلها خير وبركة كلها بذل وعطاء .. حياة المؤمن كلها أجر .. وتلك هي العبادة الحقيقية .. ولذلك قال فيما بعد (( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172) ... ) .. حتى تكون الصورة واضحة في أذهان الناس .. فحياتهم قرينة المتعة والبذل والعطاء والعبادة: وحدة واحدة متكاملة لا انفصام لها محورها التقرب إلى الله في كل شيء .. محورها طاعة الله .. وتطبيق ما أمر به ونهى دون لف أو دوران أو تجزئة .. (( إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172) ... ) .. عبده عبادة: خضع وذل وطاع له .. فحياة المؤمن كلها عبادة حتى في مستوى الأكل والشرب .. لأنه يطيع الله فيها .. ويشكر الله عليها ويصبر على فقدنها ويعطي حقها بما أمر الله ولا شيء إلا الله .. فالدين بهذا المفهوم الواسع خير كله .. وبركة كله .. ونعيم كله .. وسعادة كله .. قد تلتبس أحيانا الصورة أمام المؤمن .. ولكن الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة وضع أمامنا طريقا سالكة لا عوج فيها .. من محرمات الأكل والطعام حتى لا يبقى علينا حرج وحتى نأمن الفتنة في كل شيء .. تعالوا نتأمل هذه المحرمات ونضعها تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت