فهرس الكتاب
المجهر .. حتى لا تبقى حجة لمحتج .. قال الله سبحانه وتعالى: (( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173) ... )).. لنبدأ أولا بتحديد الميتة؟ .. فما الميتة؟ ..
جاء في جامع البيان:
الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكول فذكاته كموته، كالسباع وغيرها. هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال) . أخرجه الدار قطني ..
وجاء في صحيح البخاري:
حدثنا قتيبة: حدثنا الليث: عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير، والأصنام) . فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا، هو حرام) . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه) . وجاء في لسان العرب:
قال الزجاج: المَيْتُ المَيِّتُ بالتشديد، إِلاَّ أَنه يخفف، يقال: مَيْتٌ ومَيِّتٌ، والمعنى واحد، ويستوي فيه المذكر والمؤَنث؛ قال تعالى: لنُحْييَ به بلدةً مَيْتًا، ولم يقل مَيْتةً؛ وماتَ الرجلُ إِذا خَضَعَ للحَقِّ.
(( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ... ) )... فالميتة التي حرمها الله سبحانه هي كل حيوان حل أكله مات دون أن نتمكن من ذبحه ذبحا شرعيا أو ذكاة .. فارق الحياة لسبب من الأسباب ولم نتمكن من إنقاذه .. هذا الضرب واضح في حرميته .. والدم .. قال العلماء هو كل دم مسفوح .. إذا سفح الدم أصبح نجسا .. وبالتالي محرما .. (( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ ... ) ).. ما لحم الخنزير؟ .. ولماذا ذكر الميتة على وجه العموم؟ .. والدم على وجه التجزئة؟ .. بينما ذكر الخنزير على وجه الكلية؟ .. قال العلماء: لأن الله سبحانه وتعالى حرم الخنزير كله ظاهرا وباطنا فلا شيء فيه حلال بالمرة باطنه كظاهره .. (( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173) ... )).. إضافة إلى ما تقدم فقد حرم الله سبحانه الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كالذي يقدم قرابين للآلهة .. أو مما ذكر عليه اسم غير اسم الله سبحانه وتعالى كي يتأكد المؤمن أن طعامه يدخل في وجه العبادة الخالصة لله وحده لا شريك له .. دون غيره مهما كان وأنى كان مكانا وزمانا إلى قيام الساعة ا لتي لا شك فيها إطلاقا .. فهو الرزاق الفتاح العليم .. وإليه محيانا ومماتنا وكل شؤونا الخاصة منها والعامة .. (( وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ) )... أخذ من استهلال الصبي بالصراخ عند الولادة وكذا من استهلال الهلال عند ظهوره في المواسم .. (( فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173) ... )).. والبَغْيُ: التَّعَدِّي. وبَغَى الرجلُ علينا بَغْيًا: عَدَل عن الحق واستطال. وقال الأَزهري: وقوله فمن اضْطُر غيرَ باغِ ولا عادٍ، قيل فيه ثلاثة أَوجه: قال بعضهم: فمن اضْطُرَّ جائعًا غير باغٍ أَكْلَها تلذذًا ولا عاد ولا مجاوزٍ مايَدْفَع به عن نفسه الجُوعَ فلا إثم عليه، وقيل: غير باغٍ غير طالب مجاوزة قدر حاجته وغيرَ مُقَصِّر عما يُقيم حالَه، وقيل: غير باغ على الإمام وغير مُتَعدٍّ على أُمّته. قال: ومعنى البَغْي قصدُ الفساد. ويقال: فلا نيَبْغي على الناس إذا ظلمهم وطلب أَذاهم ..
وبالتالي تكون الصورة واضحة متسقة الأبعاد في ذهن المؤمن وفي حياته الخاصة والعامة وحتى في طعامه وشرابه .. وهو متأكد تماما أن رحمة الله واسعة بل رحمة الله أوسع من ملكه .. وانه إذا حدث واضطر المؤمن في طعام أو شراب فإنه يحل له أكل المحرم لدفع الموت عن نفسه ولدفع الأذى .. ولا حرج عليه بشرط واضح لا لبس فيها ولا التباس أن يسد جوعته وألا يتجاوز الحد المطلوب وأن تكون تلك الرخصة مؤقتة زمانا ومكانا وألا تكون دائمة وان تنتهي بانتهاء الاضطرار الذي يدخل تحت لافتة الضرورات تبيح المحظورات .. فهي مرحلة .. وهو حكم انتقالي .. وهو حكم المضطر ..