فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 1691

قد تعتري المجتمع الإسلامي مراحل انتقالية .. أو ما يمكن أن نطلق تسمية مراحل عابرة نسخت بأحكام أخرى ثابتة مراعاة لحكم المرحلة ولحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى ولا راد لحكمه إنه هو العليم الحكيم .. ومن ضمن هذه المراحل ما يلي: (( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) ... ))..

ما الوصية؟ .. ما المقصود بهذه الآيات الثلاث؟ .. ولماذا وردت في هذا السياق؟ .. وما الجنف؟ ..

جاء في صحيح البخاري:

حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) . تابعه محمد بن مسلم، عن عمرو، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعن الجنف جاء في لسان العرب: جنف المُوصِي، والناحِلُ إذانَحَل بعضَ ولدِه دون بعض فقد حافَ، وليس بحاكم. وفي حديث عروة: يُرَد من صدَقةِ الجانِف في مرضه ما يردّ من وصِيَّةِ المُجْنِف عند موته. يقال: جَنَفَ وأَجْنَفَ إذا مالَ وجارَ فجمع بين اللغتين، وقيل: الجانِفُ يختصّ بالوصية، والمُجْنِفُ المائل عن الحق؛ قال الزجاج: فمن خاف من مُوص جَنَفًا أَي ميْلًا أَو إثمًا أَي قَصْدًا لإثْم ..

والوَصِيَّةُ: ما أَوْصَيْتَ به، وسميت وَصِيَّةً لاتصالها بأَمر الميت، وقيل لعلي، عليه السلام، وصِيٌّ لاتصال نَسَبِه وسَبَبه وسَمْته بنسب سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وسَبَبه وسَمْته؛ قلت: كرَّم الله وجه أَمير المؤمنين علي وسلَّم عليه، هذه صفاته عند السلف الصالح، رضي الله عنهم، ويقول فيه غيرهم: لولا دُعابة ٌفيه ..

أول ما نلاحظه هو أن هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث منسوخة بآيات المواريث التي جاءت فيما بعد في سورة النساء .. وبالتالي فحكمها مرحلي ومؤقت انتهى بانتهاء موجبها .. وليس حكمها بماض .. لأن آيات المواريث والأنصبة فيها تنسخها وتلغيها وتقوم مقامها في الأحكام الشرعية للمستحقين لذلك وجب رفع اللبس والإلتباس من الأذهان .. ولكن لا باس من الشرح والبيان حتى تكون الصورة واضحة ومتسقة الأبعاد وحتى يعرف المجتمع حكم الناسخ والمنسوخ في القرآن .. وحتى لا يتألى أحد على أحكام الله بغير علم .. فمنطلق الآيات يتحدث عن الوصية .. ومن واجب كل مسلم أن يوصي .. ولكن الوصية لها شروط ليس أقلها ألا يوصي في أكثر من الثلث .. لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوارد في صحيح البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم: حدثنا زكرياء بن عدي: حدثنا مروان، عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه رضي الله عنه قال: مرضت، فعادني النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي أن لا يردني على عقبي، قال: (لعل الله يرفعك، وينفع بك ناسا) . قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف؟ قال: (النصف كثير) . قلت: فالثلث؟ قال: (الثلث، والثلث كثير، أو كبير) . قال: فأوصى الناس بالثلث، فجاز ذلك لهم.

أعتقد أن المسألة كانت مرحلية .. وكان يمكن في بداية الإسلام وقبل قيام دولته في المدينة المنورة أن تكون مسالة المواريث فيها حكم انتقالي تمليه ضرورة المرحلة العقدية .. حتى إذا استوى الأمر للمؤمنين قوة ونفوذا وتمكينا في الأرض جاءت الأحكام الفاصلة القاطعة للمرحلة القوية من حياة الأمة .. في المرحلة الإنتقالية لم يكن ثمة حرج في أن يتدخل أهل الخير لتغيير جزئيات وتفاصيل المواريث إن رأوا ميلا ظاهرا كما قال العلماء من الموصي .. إن الوصية في حقيقتها تمليك مضاف من بعد الموت بوسيلة التبرع .. وبقيت الوصية سارية المفعول بالنسبة لغير الورثة .. لأن القاعدة الشرعية (( لا وصية لوارث ) ).. وبذلك يعطي الإسلام قوة لأهله .. وقوة لذاته باعتباره الأقدر بفضل الله ورحمته على مجاراة العصر وعلى الضرب بقصب السبق في التنظير والممارسة لمجتمع إسلامي تدرج به من الجهالة الجهلاء إلى أرقى ما يمكن تصوره حضارة وسلوكا ورحمة وسموا ورفعة بذلا وعطاء في كل مجال ابتغاء مرضاة الله في الدنيا والآخرة التي لا شك فيها إطلاقا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت