فهرس الكتاب
وأَصل القَصِّ القَطْعُ. يقال: قصَصْت ما بينهما أَي قطعت. والمِقَصُّ: ما قصَصْت به أَي قطعت. قال أَبو منصور: القصاص في الجِراح مأْخوذ من هذا إِذا اقْتُصَّ له منه بِجِرحِه مثلَ جَرْحِه إِيّاه أَو قتْله به.
إذا آمن المجتمع المؤمن بأن المسالة أمر من الله ولا مجال فيه للشك أو الريبة أو المحاباة .. فإن المسألة تستمر إلى التفصيل في بيان مسائل القصاص: (( ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) ... ))..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت في بني إسرائيل قصاص ولن تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: كتب عليكم القصاص في القتلى - إلى هذه الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ. قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد، قال: (( فاتباع بالمعروف ) ). أن يطلب بمعروف ويؤدي بإحسان.
حدثنا الحميدي: حدثنا سفيان: حدثنا عمرو قال: سمعت مجاهدا قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد (( فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) )يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان (( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) )مما كتب على من كان قبلكم من اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم )) قتل بعد قبول الدية ..
لقد تبين الأمر .. فالمجتمع الإسلامي يترك باب الرحمة دائما مفتوحا .. فمن شاء العفو عن القاتل بأخذ الدية فله ذلك .. وهذا يتعلق كما قال العلماء بجريمة القتل .. فحسن المعاملة مطلوبة حتى في القصاص .. حتى في الحدود .. حتى لا تبقى حجة لمحتج .. وحتى يتأكد الجميع أن الدين المعاملة في كل شيء حتى في القصاص .. فهل بعد هذا من دليل على أن الإسلام هو دين الرحمة .. دين يسع كل شيء .. وفي كل شيء نبتغي وجه الله حبا في الله وتطلعا إلى مرضاته يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا .. ليس هذا فقط بل وحتى يتأكد الجاني ذاته أن رحمة الله واسعة وحتى لا يدب اليأس إلى النفوس .. وحتى يبعث الأمل في الجميع .. أما النفوس المريضة بحب الأذى فقد توعدها الله بسوء الخاتمة .. إنه الإنذار .. والإنذار إذا جاء من رب العزة فلا فوت فيه .. (( فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ).. ما المقصود من كل هذا؟ .. أعتقد أن المقصود أساسا هو بث روح العمل والجد .. وكي تتواصل الحياة داخل المجتمع الإسلامي بلا أحقاد ولا ضغائن .. فالمجتمع الإسلامي يجب أن يتكاتف ويتضامن وأن ينسى الحقد مهما كانت المشاكل .. كي يؤسس وكي يبني وكي يضيف .. هذا هو المقصود أساسا من وراء مجتمع إسلامي محركه الرئيس هو القرآن والسنة .. وديدنه الرحمة .. وهدفه السمو والتسامي عن الصغائر وعن الأحقاد .. هدفه الأعلى الآخرة .. إنه يدوس على الهموم والأحزان من أجل الله وفي سبيل الله وشوقا إلى الآخرة وتطلعا إلى حب الله في الدنيا والآخرة التي لا شك فيها إطلاقا .. إنها الحياة تدب داخل المجتمع الإسلامي الذي لا يلوك أحزانه .. يكون صارما وقت الصرامة .. ويكون متراحما وقت الرحمة وفي كل وقت .. إنها الحياة الكريمة داخل المجتمع الإسلامي لا مكان فيها للخلفيات والسوابق .. المكان فيها للتقوى .. لمخافة الله للعمل الصالح الذي هو عنوان المؤمن ودليله الساطع (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179) ... )).. الألباب: اللب هو العقل الخالص من الشوائب .. تتقون: اتقاه خافه وحذره .. التقوى هي مخافة الله والعمل بطاعته .. فالذي يتمتع بعقل حصيف ينتهي فورا إلى الحكم الإلهية النورانية السامقة التي تريد أن يرتفع إليها المجتمع الإسلامي حبا وتنازلا وتساهلا ورحمة بين الجميع حتى تكون الحياة أسهل وأرقى .. وحتى نخلص القدرات والطاقات البشرية من القيود والهموم والأحزان والخلفيات الجاهلية .. إنها الحياة الكاملة أو المتكاملة التي تريد الشريعة الإسلامية أن يرتفع إليها الجميع حبا ورحمة وأملا وتوقا إلى الله دون انتهاء .. إنه الرقي الذي ما بعده رقي .. والرفعة التي ما بعدها رفعة يريدها الله لعباده الذين ارتضى .. هذا عن الخطوط العامة للمجتمع الإسلامي المتراحم في كل شيء حتى في إقامة الحدود التي حكم الله بها .. قبل أن يحكم أحد سواه وأمر أن تنفذ بكامل الدقة والانتظام .. وان تكون السمة البارزة هي الرحمة في كل شيء ..