ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهما فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله كشاة ملقاة بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا الراعي فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن فإن حماه منهم وكفهم عنه لم يجدوا إليه سبيلا وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم بل هو نصيب من ظفر به منهم وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقا ويعرف ربه وهذا أحد التأويلات للكلام المشهور من عرف نفسه عرف ربه وليس هذا حديثا عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو أثر إسرائيلي بغير هذا اللفظ أيضا: يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك وفيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة ومن عرفها بالذل عرف ربه بالعز ومن عرفها بالجهل عرف ربه بالعلم فإن الله سبحانه استأثر بالكمال المطلق والحمد والثناء والمجد والغنى والعبد فقير ناقص محتاج وكلما ازدادت معرفة العبد بنقصه وعيبه وفقره وذله وضعفه: ازدادت معرفته لربه بأوصاف كماله التأويل الثاني: أن من نظر إلى نفسه وما فيها من الصفات الممدوحة من القوة والإرادة والكلام والمشيئة والحياة عرف أن من أعطاه ذلك وخلقه فيه أولى به فمعطي الكمال أحق بالكمال