إن أعظم هدية يقدمها والد إلى ولده، وأعظم إحسان يسديه إليه أن يربيه على مفاتح تدبر القرآن - التي ذكرتها عن السلف - منذ الصغر حتى يتسلح بالقرآن في هذه العصر الذي كثرت فيه الفتن، وانتشر فيه القلق والملل، وزادت الأمراض النفسية، وضعفت النفوس عن تحمل المصائب، وصار الناس يبحثون عن التسلية والترويح عن النفس بوسائل شتى حتى أرهقتهم بدنيا وماليا ووصلوا معها إلى طريق مسدود وصدق عليهم قول الشاعر:
وكأس شربت على لذة *** وأخرى تداويت منها بها
إن من ينشأ على القيام بالقرآن يقرؤه كما وصفت فإنه ينشأ قوي النفس، قوي البدن ثابت الخطى يشق طريقه في الحياة بلا مخاوف ولا مشاكل بإذن الله تعالى لأنه يجد التفسير الواضح الثابت لكل المواقف التي يمر بها، ولكل المناهج والأطروحات التي تتنافس في إثبات وجودها، إن من يقرأ القرآن كما ذكر يستغني به عن كلام البشر، وما زلت أسمع وأرى صورًا ومآسي لا نحرافات فكرية واجتماعية تحصل من أبناء المسلمين، وماذاك إلا بسبب التفريط في الربط بالقرآن حبل الله المتين الذي ما ضل من تمسك به، والتمسك به لا يكون أبدًا إلا بما سبق بيانه من وسائل ومفاتح.
وهذا أسهل وأخصر الطرق في تربية الأولاد لمن وفق إليه وقدر عليه، أما من حرمه فإنه سيظل حبيس تجارب وطرق وأفكار لا أول لها ولا آخر، تجارب ووسائل متباينة ومكلفة وصعبة التطبيق، وضعيفة النتائج، وهشة البناء لا تصمد للمواقف الصعبة واللحظات الحرجة.