فهرس الكتاب
الربيع حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن زيد بن وهب قال عبد الله (ابن مسعود) حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال:"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه ملكًا فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )) [1] ."
و أقول: إن صح ذلك عن عمرو بن عبيد فهو قد قدم هواه و جنونه على الشرع و العقل معا، و لم يُقدم العقل على الشرع من جهة، و قد نقض إيمانه بدين الإسلام بجهله و هواه من جهة أخرى. فلا للعقل احتكم، و لا للشرع اتبع، لأن كلامه هذا ليس من العقل، و لا من العلم، و لا من الشرع في شيء. إنه تكلم بكلام لا يقوله مسلم، و لا عاقل يعي ما يقول. إنه جنون و غرور، و رعونة نفس و سوء أدب!!.
و تفصيل ذلك أولا إنه لا يُوجد في الحديث ما يُنكر كما سنبينه قريبا، و حتى إذا افترضنا جدلا أن في الحديث ما يُنكر، و ليس بصحيح، فإن الرجل قد أخطأ التصرف و وقع في جهل كبير، و ارتكب حماقة جنونية. لأنه كان عليه -عندما أنكر الحديث- أن يُبين سبب عدم صحته إسنادا و متنا، و يُفرّق بين الحديث و مضمونه أولا، ثم بينه و بين رواته ثانيا، ثم بينه و بين الله تعالى و النبي-عليه الصلاة و السلام- ثالثا. لأنه إذا قام الدليل على عدم صحته، فلا يُمكن أن يكون النبي قد قاله، و لا هو موافق لكتاب الله تعالى؛ و إنما الخلل من رواته أو من بعضهم. لكن هذا الرجل المريض عندما أنكر الحديث لم ينقد إسناده و لا متنه ليُبين عدم صحته، و لم يُفرّق بين رواته، و بين الله ورسوله. و هذا خطأ فادح و انحراف كبير عن منهج البحث و الاستدلال العلمي. فلا يصح التسوية بين هؤلاء، لأن عدم صحة الحديث يعني بالضرورة أن سببه من الرواة، و لا يعني أبدا أن سببه الرسول أو الله تعالى، و لا يصح نسبة ذلك إليهما. فمن ينسبه إليهما فهو إما أنه جاهل أحمق، أو أنه صاحب هوى تعمد قول ذلك لغاية في نفسه.
(1) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 111.