فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 218

و ثانيا إن الرجل مُتناقض مع نفسه، نقض إيمانه بنفسه، و ناقض ذاته بذاته، و داس على عقله، و جعل الشرع وراء ظهره. فهو عندما قال:"ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته"فهو هنا مُتناقض من جهتين: الأولى أنه أنكر الحديث، و هذا يعني أنه غير صحيح، ثم هو قال بأنه لو سمعه من الرسول لرده. و هذا لا يصح لأنه إذا كان الحديث غير صحيح، فلا يُمكن أن يقوله الرسول، و إن كان صحيحا فيمكن أن يقوله إذا صحت نسبته إليه، و في هذه الحالة لا يصح الاعتراض عليه. لكن الرجل مع رفضه للحديث افترض أنه لو سمعه من الرسول فإنه سيرده!!. و الجهة الثانية هي أن الرجل نسي أو تناسى أن كلامه متناقض، فقوله:"ولو سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته". و هذا لا يصح قوله ولا افتراضه، لأن من يرد كلاما سمعه من رسول الله، فهذا يعنى أنه لا يُؤمن به رسولا، و إذا كان يُؤمن به فلا يصح له أن يعترض عليه، و لا أن يفترض أنه يقول كلاما باطلا. فهل يُعقل أن إنسانا يسمع كلام نبي الله منه مباشرة، ثم يرده؟؟!!. إن رده فهو لا يُؤمن به، أو أنه جاهل أحمق، و إلا لا يصح رد كلامه شرعا و لا عقلا.

و أما قوله:"ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا" [1] . فهو قول نقض به عمرو بن عبيد إيمانه بدين الإسلام، و لا يصح قوله عقلا و لا شرعا. لأن الذي يرد كلاما لله سمعه منه، و يعترض عليه فهو شيطان، و ليس مسلما، ولا عاقلا. و لا يصح افتراض ذلك أصلا، لأنه باطل من أساسه، و لا يُمكن أن يحدث أصلا. فهل يُعقل أن يقول الله كلاما باطلا؟؟!!،وهل يصح في العقل افتراض ما افترضه هذا الرجل المريض ا؟؟!!. إنه صاحب هوى، لا صاحب عقل و لا شرع!!.

و ثانيا إنه ليس في الحديث ما يُنكر، فهو تكلم عن القضاء و القدر، و أظهر دور المشيئة الإلهية في ذلك، و في هيمنتها على الكون و تسييرها له، و في تحكمها في أفعال البشر بحق و عدل و حكمة، و لم ينف دور الإنسان، و لا أنكر جانبه المُخيّر فيه، و إنما جمع بينهما كما سبق أن بيناه في الفصل الثاني.

(1) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 2 ص: 170، ج 6 ص: 184. و ابن الجوزي: المنتظم، ج 8، ص: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت