فهرس الكتاب
و يجب النظر إلى هذا الحديث و غيره بنظرة شاملة انطلاقا من كل النصوص الشرعية المتعلقة بموضوع قضاء الله و قدره و مشيئته. و يجب أن نفهم أن أفعال الله تعالى لا ظلم فيها و لا عبث، و أنه سبحانه يفعل بحكمة، و عدل، و رحمة، و عزة. و عليه فإن ذلك الحديث عندما قال:"إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". هذا لا يعني أن الله تعالى فعل ظلما و تعسفا، و إجبارا منه ليُضل بعض عباده، فحاشا لله من ذلك، فهذا لا يُمكن أن يحدث، لأن الله تعالى مُنزه عن ذلك، و إنما المقصود من الحديث أن بعض الناس يُظهرون التدين رياءً، أو نفاقا، و الناس لا يعلمون، لكن الله تعالى أعلم بهم فيكشفهم، و يحرمهم التوفيق لأنهم لا يستحقونه، و ليس لأنه ظلمهم. و هؤلاء يقعون في ذلك لأنهم غير صادقين في إيمانهم، و لهذا قيل: إنما يعثر من لم يُخلص. و أما المؤمنون الأتقياء، فلا يفعل الله بهم ذلك أبدا. و هو القائل سبحانه: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم 27 - ،و {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى 6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى سورة اليل: 5 - 10 - .
فواضح من ذلك أن عمرو بن عبيد لا هو احتكم إلى العقل، و لا اتبع الوحي، و إنما قدم جهله و غروره و هواه على الشرع الصحيح، و العقل الصريح، و جنى عليهما و على نفسه من حيث يدري أو لا يدري.
و الشاهد الثالث يتعلق أيضا بموقف لشيخ المعتزلة عمرو بن عبيد، مضمونه أن الحافظ الدارقطني قال: (( حدثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن منصور ثنا يحيى بن حكيم قال: حدثني بكر بن الفضل قال: حدثني إدريس بن إدريس ثنا نوح بن قيس اللماني قال: جاءنا عمرو بن عبيد أتى الحي في مجلس رجل مات عندنا نعرف أهله قال: قد ذكرنا الحديث, حديث بهز بن حكيم أن رجلا أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ثم يذروه في يوم ريح, فجمعه الله تعالى فيأت به, فقال عمرو: ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قط وإن كان قاله, فأنا به مكذب, فإن كان التكذيب به ذنب فأنا به مصر. [1] ((
(1) الدارقطني: أخبار عمرو بن عبيد، مخطوط، مجموع 3842، الظاهرية/ دمشق، الورقة: 4.