الأشياء كلها بقدر، ما خلا المعاصي )) [1] :. و هذا صحيح، فقد كان قتادة يقول بالقدر كما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء [2] .
لكن ذلك لا يعني أنه حقق ما رواه، و إنما ذكره كما ذكر الروايات الأخرى غير الصحيحة. فالرجل لم يكن يحقق الضعيف و لا الصحيح، و إنما كان ناقلا للأخبار لا مُحققا. فلم يكن صاحب منهج لنقد الأخبار، و لا كان يهتم بنقدها و تمحيصها طلبا للحقيقة، و إنما كان ذاكرا لذلك انتصارا لمذهبه و ردا على خصومه، فلم يكن في صالحه تحقيق معظم الأخبار التي ذكرناها عنه.
(ج) موقف المعتزلة من خبر الآحاد:
ينقسم الخبر إلى قسمين: آحاد، و متواتر. المتواتر هو ما رواه عدد كبير تُحيل العادة على تواطئهم على الكذب، و له أربعة شروط يجب أن تتوفر فيه، هي: 1 - أن يرويه عدد كبير من الرواة. 2 - أن تُوجد هذه الكثرة في جميع طبقات الإسناد. 3 - أن تُحيل العادة تواطؤ الرواة على الكذب، كأن يكونوا من بلدان و أجناس و مذاهب مختلفة. 4 - أن يكون مُستند خبرهم الحِس من سمع و بصر و لمس. و المتواتر يُفيد العلم الضروري، بمعنى أنه يُفيد اليقين. و أما الآحاد فهو ما لم يجمع شروط المتواتر، و هو يُفيد العلم النظري المتوقف على النظر و الاستدلال [3] .
فواضح من ذلك أن خبر الآحاد في ذاته هو خبر ضني و ليس يقينيا. و هذا يعني أنه خبر يحتمل الصدق كما يحتمل الكذب، و أن نقده إسنادا و متنا هو الذي يحسم أمره. فما هو موقف المعتزلة منه؟،و هل أصابوا في موقفهم منه؟، و هل وافقوا العقل فيه أم خالفوه؟.
و منهم القاضي عبد الجبار قال في خبر الآحاد: (( و على هذا الوجه لا يجوز علي العقل أن يقول في خبر الواحد: قال رسول الله قطعا، و إنما يجوز أن يقول: رُوي عنه صلى الله عليه ذلك ) ) [4] .
(1) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال، ص: 88.
(2) ج 5 ص: 271.
(3) محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث، دار رحاب، الجزائر، ص: 18، 19، 21.
(4) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: - 186.