و قال: (( و بعد فان غرض من ينسب هذه الطائفة إلى قلة الحديث، ظنهم أنهم لا يعملون على الأحاديث المروية عندهم، و هذا خطأ عظيم، لأنهم إنما لا يعملون عليها، لأن العمل عندهم على أدلة المعقول التي لا تَحتمِل، و على أدلة السنة القاطعة، و الإجماع القاطع. و الواجب دون أخبار الآحاد، التي قد يعتمد فيها الكذب، و قد يقع فيها السهو و النسيان و التغيير و التبديل، لا لأنهم لم يعرفوا ذلك، و عرفوا ما يصح فيه السند و ما لا يصح، فان الناظر إذا نظر في كتاب «القاضي بين المختلفة» لأبي جعفر الاسكافي، و في كتاب «نقض الشيرجاني» لأبي القاسم البلخي، يعلم أن الأمر كما قلناه. و على أنهم رووا من جهة الآحاد ما يعارض ما أورده القوم من جهة الآحاد أيضا. وقد بينا الكثير من ذلك في أول هذا الكتاب ) ) [1] .
و قال أيضا: (( (( و إنما نذكر هذه الأخبار، و إن كان أكثرها أخبار آحاد، ليعرف من قرأ كتابنا أن التمسك بالسنة طريقنا، و أن هؤلاء القوم إذا أحتجوا بذلك فقد أخطئوا. و إلا فطريقتنا في هذا الجنس التعليق بأدلة قاطعة، نحو ما ذكرناه من القرآن، و كنحو إجماعهم على أن الله تعالى صادق في أخباره، و لا يخلف المعاد ) ) [2] .
و قال المحسن بن كرامة الجشمي المعتزلي (ت: 457 هـ) : (( فأما السنة فهو ما تواتر نقله وصح منه فعله أو قوله، وقد أطلق ذلك على أخبار الآحاد، إلا أنها حجة في فروع الشرع، وليست بحجة في أصول الدين؛ لأن طريقه القطع، فلا بد من دليل مقطوع به ) ) [3] .
و أقول: أولا واضح من كلام هؤلاء أنهم لم يُفرّقوا بين حديث الآحاد قبل تحقيقه و بعد تحقيقه. فاتخذوا منه موقفا واحدا هو أنه خبر ظني و ليس قطعيا، و من ثم لا يصح الاحتجاج به في أصول الدين. و هذا موقف غير صحيح لأنه ليس من العقل و لا من الشرع أن نرفض خبر آحاد لمجرد أنه كذلك. وسبب ذلك هو أن هذا الخبر لم يقم الدليل على صحته، و لا على عدم صحته، فلماذا نرفضه؟!. و عليه فلا يصح رفضه لمجرد ذلك، و إنما يتطلب منا تحقيقه و تمحيصه لأنه يحتمل الصدق و الكذب معا. و بناءً على ذلك فإنه يُمكن إخراجه من حالته بالتحقيق و القرائن، و
(1) نفس المصدر، ص: - 195.
(2) نفس المصدر، ص: 156.
(3) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 23.