فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 218

الشواهد الشرعية و العقلية و العلمية ليصل إلى اليقين، أو يقترب منه، أو يصبح راجحا. و بذلك يصح الاحتجاج به في أصول الدين.

و ثانيا إن هؤلاء اكتفوا بذلك الموقف و لم يقترحوا منهجا و لا حلا لوضعية خبر الآحاد. مع أن العقل يفرض عليهم طرح ذلك لإخراجه من حالته، فهم تركوه مُعلقا يحتمل الصدق و الكذب. و هذه وضعية تتطلب حلا صحيحا لها، لكن القوم أهملوه. لكنهم من جهة أخرى سبق أن بينا أنهم ردوا أحاديث و أخبار آحاد لأنها خالفت مذهبهم، من دون أن يُمحصوها و يُبينوا عدم صحتها، و استخدموا أخرى لأنها في صالحهم من دون أن يُحققوها لإثبات صحتها!!. و هذا موقف مرفوض شرعا و عقلا و علما.

و ثالثا أُشير هنا إلى المعتزلي إبراهيم النظام قال: إن حجة العقل قد تنسخ الأخبار، منها الأحاديث النبوية [1] . و قوله هذا فيه حق وباطل، فهو لا يصدق مع الأخبار المتواترة، و إنما قد يصدق مع أخبار الآحاد. لأن المتواتر قام الدليل القطعي على صحته، و من ثم ليس من العقل رده، و لا الشك فيه. و من يشك فيه، فهو مُتبع لهواه و ظنونه، و ليس مُتبعا للشرع، و لا للعقل، و لا للعلم.

و قوله يصدق على أخبار الآحاد التي لم يثبت الدليل على صحتها،. فإذا أثبت التحقيق العلمي صحة خبر ما، فهنا لا يصح للعقل أن يرفضه. و أما إذا لم يثبت هذا، فمن حق العقل أن يرفضه، بل و من الواجب عليه أن يشك فيه، و ينفيه إذا صح الاستنتاج العقلي و تم بطريقة علمية. عِلمًا بأنه لا يُمكن أن يحدث تناقض بين الاستنتاج العقلي الصحيح مع الخبر الصحيح. فإذا حدث فإما أحدهما غير صحيح، أو هما معا.

و استنتاجا مما ذكرناه يتبين منه أن المعتزلة ليسوا أصحاب منهج نقدي لتحقيق الروايات الحديثية و التاريخية، و لم يكونوا يهتمون بصحتها من عدمها، لأن تحقيقها لم يكن في صالحهم غالبا، و لهذا أهملوا تمحيصها، و لم يهتموا بمنهج نقد الخبر تنظيرا و لا ممارسة.

(1) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت