فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 218

و اتضح أنهم قبلوا روايات كثيرة من دون تحقيق إسنادا و لا ممتنا، لمجرد أنها وافقت مذهبهم، مع أنها قد تكون غير صحيحة، و قبلوا أخرى من دون تمحيص مع أنها قد تكون مكذوبة. و لهذا وجدناهم نسبوا أحديث للنبي -عليه الصلاة و السلام- من دون تحقق، بل و تبين أنها غير صحيحة. و هذا موقف مرفوض شرعا و عقلا و علما. لأن المفروض على الباحث أن يتأكد من الأخبار التي يرويها عامة، و الأحاديث النبوية خاصة. و تبين أيضا أنهم أخطؤوا في موقفهم من خبر الآحاد تنظيرا و ممارسة من جهة، و خالفوا به الشرع و العقل و العلم من جهة أخرى.

و ختاما لهذا الفصل- الثالث- يُستنتج منه أن المعتزلة جنوا على العقل و الشرع و العلم في موقفهم من العقل و منهج الفهم و الاستدلال. فخالفوا الشرع و عطّلوه، و أخلوا بمنهج البحث و الاستدلال، و تلاعبوا به حسب أهوائهم و ظنونهم و آرائهم. و أفسدوا العقل و حمّلوه ما لا يطيق، و قدّموه على الوحي الصحيح، و جعلوه وثنا معبودا من دون الله. فاتضح بذلك أن حقيقة المعتزلة ليس أنهم قدموا عقولهم على الشرع كما هو شائع بين أهل العلم، و إنما الحقيقة هي أنهم قدموا أهواءهم و آراءهم و ظنونهم على الوحي الصحيح، و العقل الصريح. فافتروا بذلك على الشرع و العقل معا، و ارتكبوا في حقهما جنايات و حماقات.

و أتضح أن المعتزلة كانوا أصحاب منهج مُنحرف قاصر لا يصلح أساسا للفهم الصحيح، و لا للبحث و الاستدلال العلمي السليم. فمارسوا التغليط و التلبيس، و الانتقاء و الإغفال، و التأويل الفاسد في تعاملهم مع النصوص المخالفة لمذهبهم. فعلوا ذلك لأنهم أقاموا أصول مذهبهم على ظنونهم و رغباتهم و خلفيتهم المذهبية، أكثر مما أقاموها على الشرع و العقل بفارق كبير جدا.

و تبين أيضا أن المعتزلة لم يكونوا أصحاب منهج نقدي في تعاملهم مع الأحاديث النبوية و الروايات البشرية، و إنما كانوا أصحاب مذهب زائف انتصروا له بأهوائهم و ظنونهم و مصالحهم في موقفهم من تلك الروايات. فردوا روايات صحيحة لأنها تخالف مذهبهم، و و قبلوا روايات ضعيفة لأنها توافق مذهبهم. فكانت أهواؤهم و مصالحهم هي مننطلقهم في قبول المرويات و ردها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت