فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 218

يُمكن إنكارها، و يتمثل في جانبين أساسيين: الأول إننا خُلقنا بغير إرادة منا فنحن مُجبرون على أن نكون مخلوقين من جهة، و مُجبورون على أن نكون مُسيرين في جانب من أنفسنا، و أن نكون مُخيرين في جانب آخر منها. و لهذا فإن بني أمية و أتباعهم الذين اتهمهم المعتزلة بالجبر كانوا على قدم و ساق في الدعوة إلى مذهبهم، و في محاربة خصومهم القائلين بالقدر. فالطرفان مارسا الاختيار، و لم يمنع الجبر القائلين به من ممارسة حريتهم و اختيارهم، و مقارعة خصومهم القائلين بالقدر، فالكل كانوا ممارسين للقدر، و قادرين على ممارسته، و لم يكن خاصا بالقدرية دون الجبرية. بل و حتى كبير الجبرية الجهم بن صفوان (ت: 128 هـ) حمل السلاح ضد الأمويين و قُتل بسببه [1] ، فأين حكاية الجبر المزعومة، و قد حمل السلاح بنفسه و اختياره، كما حمله القدرية!!.

و سادسا فقد اتضح جليا أن المعتزلة انحرفوا انحرافا كبيرا عن المنهج السليم في الفهم و البحث و الاستدلال العلمي. فأوقعهم ذلك في أخطاء و انحرافات علمية كثيرة جدا. منها إنهم كانوا يفتقدون كثيرا إلى الموضوعية و الحياد العلمي في تعاملهم مع القضايا الشرعية و العقلية. فمارسوا التأويل التحريفي لنصوص الوحي عن سبق إصرار و ترصد، و تعاملوا معها بالانتقاء و الاغفال، و عدم جمع نصوص الموضوع الواحد، فعلوا ذلك حسب أهوائهم و مذهبيتهم. فكان الغالب عليهم أنهم يقُررون أصولهم أولا، ثم يبحثون لها عن النصوص التي تُدعمها، و إلا حرّفوها أو تركوها وراء ظهورهم. و كثيرا ما استخدموا التغليط و التلبيس و التعمية انتصارا لأرائهم و أهوائهم على حساب حقائق الشرع و العقل. و هذا ليس من أخلاقيات و لا أبجديات الاستدلال العلمي في شيئ، و لا هو من شيم العلماء المخلصين النُزهاء، و إنما هو من سلوكيات الانتهازيين و أهل الأهواء.

و منها أنه تبين أن المعتزلة بالغوا كثيرا في التدقيق في باطل الكلام و فاسده، أكثر مما دققوا في صحيح الكلام و مفيده. فكان تدقيقهم الكلامي ضرره أكثر من نفعه، و انحرافه و باطله أكثر من صوابه و استقامته. و هذا انحراف خطير و كبير عن المنهج السليم في الفهم و البحث و الاستدلال. و قد أخذ منهم جهودا و أوقاتا كثيرة جدا انقلبت عليهم سلبا،

(1) الطبري: تاريخ الطبري، ج 6 ص: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت