فهرس الكتاب
كان من الأولى و من الواجب أن تُصرف في مجال آخر مفيد على أساس من الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح.
و منها أنه لم يكن للمعتزلة منهج نقدي يتعلق بالروايات الحديثية و التاريخية، و إنما تعاملوا معها حسب مصالحهم من دون تحقيق لها تضعيفا و لا تصحيحا. فالقوم ليسوا أصحاب نقد و لا تمحيص للأخبار إسنادا و لا متنا. و هذا انحراف كبير عن الشرع و العقل معا، لأن كلا منهما يأمر بالتثبت و التمحيص، و الاعتماد على صحيح الأخبار دون ضعيفها. و أما لماذا لم يكونوا أصحاب منهج لنقد الأخبار و تمحيصها؟، فالجواب واضح، إنه لم يكن في صالحهم البحث عنه و الأخذ به، و تطبيقه على معظم مروياتهم، و هذا ينطبق عليهم و على كل الفرق الأخرى التي على شاكلتهم من السبئية، و الشيعة، و القدرية و غيرهم. فهؤلاء لو فعلوا ذلك لانهارت مذاهبهم كلها، و لم تقم لها قائمة. و هل يُعقل أن قوما يتعمدون مخالفة الشرع و العقل، و يختلقون الروايات لتأييد مذاهبهم، ثم همبعد ذلك يتبنون منهجا نقديا لتمحيص أخبارهم و مروياتهم؟؟!!. كلا إنهم لن يفعلوا ذلك، و هذا الذي حدث فعلا و حقيقة في الواقع. فالتاريخ المتواتر يشهد على أن الذين كانوا أصحاب منهج نقدي لتمحيص صحيح الأخبار من سقيمها هم أهل السنة فقط، و على يدهم نشأ و اكتمل علم الجرح و التعديل. و أما أهل الأهواء و الظنون من المعتزلة و الشيعة و أمثالهم فلم يفعلوا ذلك، لأنه ليس في صالحهم أن يفعلوه.
و منها فقد اتضح أن المعتزلة توسعوا في مباحثهم و أصولهم الكلامية منذ نشأتهم في الربع الأول من القرن الثاني الهجري إلى زمن القاضي عبد الجبار (ق: 5 هـ) الذي أعطى لمذهب المعتزلة دفعا قويا، و لعله بلغ أوج نموه على يده. لكن توسعهم هذا ما زادهم إلا انحرافا و بعدا و تعميقا و تكريسا لأباطيلهم و انحرافاتهم المنهجية، و لم يُرجعهم إلى حقائق الشرع و العقل و العلم التي خالفوها. و عليه لا يصح مدحهم على تلك الأعمال التي قاموا بها انتصارا لمذهبهم. فكان كلامهم السقيم أكثر من كلامهم الصحيح. و مثال ذلك فعلى الرغم من كثرة ما كتبوه في الدفاع عن مذهبهم وجدنا كبار علماء متأخريهم كالقاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي و الزمخشري باقين على انحرافاتهم، و توسعوا فيها دفاعا عنها، و لم يقدروا على تجنيب مذهبهم أخطاءه و انحرافاته و انزلاقاته التي انطلق منها و استمرت معه إلى زمانهم، مع وضوح مخالفاتها للشرع و