ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة، ليس لها صانع فبهت القوم ورجعوا إلي الحق وأسلموا علي يديه )) [1] .
علمًا بأنه من المعروف أنه وُجد من علماء أهل السنة من اكتفى بالإنكار على المعتزلة وأمثالهم و لم يتوسع في الرد عليهم بدقيق الكلام، ولم يُجادلهم فيه. و هذا ليس عجزا، و إنما هو وسيلة من و سائل المقاومة التي استخدمها علماء السنة لعلها تردع هؤلاء عن غيهم، و لا تزيد في انتشار مقالتهم. و إلا فإن علماء السلف كما أنهم دققوا في الفقه و التفسير و علم الحديث، و علم الميراث، فإنهم كانوا قادرين أيضا على التدقيق في قضايا علم الكلام. فلما رأوا أن أمر هؤلاء انتشر و لم تنفع معهم الوسيلة الأولى تصدوا لهم و ردوا عليهم بالمناظرات و تأليف الكتب. و الشاهد على هذا أن الإمام أحمد بن حنبل كان من هؤلاء، و قال: (( كنا نسكت حتى دُفعنا إلى الكلام فتكلمنا ) )، فجاء موقفه هذا استجابة للظروف الفكرية الملحة التي عاشها أيام محنته و بعدها، فصنّف كتابه الرد على الزنادقة و الجهمية، و ناقش المتكلمين و ردّ على شبهاتهم، و ناظر خالد بن خداش في مسألة القدر، و ناظر المعتزلة -في حضرة الخليفة المعتصم- في قضية خلق القرآن و ظهر عليهم. ثم أصبح يُوجب على العلماء الرد على ما يحدث من البدع و المذاهب الفاسدة بإقامة الحجج المزيلة للشبهة الكاشفة عن غمة الضلالة، و أصبح يُفضل الذي يتكلم في أهل البدع عن الملتزم بالعبادات الساكت عن الكلام في هؤلاء [2] .
و ثالثا فإن المعتزلة الذين كانت لهم ردود على مخالفيهم من الفرق الإسلامية، و على غير المسلمين فلا يفرحوا كثيرا بهذه الردود، لأنهم قبل أن يردوا على هؤلاء، ردوا شرع الله تعالى، عندما قدموا آراءهم و أهواءهم على الله و رسوله، و تسلطوا على دين الله تعالى بالتحريف و الإغفال و الانتقاء حسب أهوائهم و ظنونهم. فكان من الأولى أن يردوا على أنفسهم أولا، بأن يُجبروها على الالتزام بالشرع، و عدم إتباع أهوائها. فهذا أعظم رد كان عليهم أن يقوموا به قبل أن يردوا على
(1) حافظ بن أحمد حكمي: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، دار ابن القيم، الدمام، 1990، ج 1 ص: 110 - 111.
(2) ابن مفلح: الآداب الشرعية و المنح المرعية، بيروت، دار العلم للجميع، 1972،ج 1 ص: 11، 235 - 236. و الخلال: السنة، حققه عطية الزهراني، ط 2 الرياض، دار الراية،1415 ج 1 ص: 235، 526، 532، 543، 549. و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 280 .. و عبد الإله الأحمدي: المسائل و الرسائل المروية عن الإمام احمد، ط 2 الرياض، دار طيبة، ج 1 ص: 167.