فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 218

ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة، ليس لها صانع فبهت القوم ورجعوا إلي الحق وأسلموا علي يديه )) [1] .

علمًا بأنه من المعروف أنه وُجد من علماء أهل السنة من اكتفى بالإنكار على المعتزلة وأمثالهم و لم يتوسع في الرد عليهم بدقيق الكلام، ولم يُجادلهم فيه. و هذا ليس عجزا، و إنما هو وسيلة من و سائل المقاومة التي استخدمها علماء السنة لعلها تردع هؤلاء عن غيهم، و لا تزيد في انتشار مقالتهم. و إلا فإن علماء السلف كما أنهم دققوا في الفقه و التفسير و علم الحديث، و علم الميراث، فإنهم كانوا قادرين أيضا على التدقيق في قضايا علم الكلام. فلما رأوا أن أمر هؤلاء انتشر و لم تنفع معهم الوسيلة الأولى تصدوا لهم و ردوا عليهم بالمناظرات و تأليف الكتب. و الشاهد على هذا أن الإمام أحمد بن حنبل كان من هؤلاء، و قال: (( كنا نسكت حتى دُفعنا إلى الكلام فتكلمنا ) )، فجاء موقفه هذا استجابة للظروف الفكرية الملحة التي عاشها أيام محنته و بعدها، فصنّف كتابه الرد على الزنادقة و الجهمية، و ناقش المتكلمين و ردّ على شبهاتهم، و ناظر خالد بن خداش في مسألة القدر، و ناظر المعتزلة -في حضرة الخليفة المعتصم- في قضية خلق القرآن و ظهر عليهم. ثم أصبح يُوجب على العلماء الرد على ما يحدث من البدع و المذاهب الفاسدة بإقامة الحجج المزيلة للشبهة الكاشفة عن غمة الضلالة، و أصبح يُفضل الذي يتكلم في أهل البدع عن الملتزم بالعبادات الساكت عن الكلام في هؤلاء [2] .

و ثالثا فإن المعتزلة الذين كانت لهم ردود على مخالفيهم من الفرق الإسلامية، و على غير المسلمين فلا يفرحوا كثيرا بهذه الردود، لأنهم قبل أن يردوا على هؤلاء، ردوا شرع الله تعالى، عندما قدموا آراءهم و أهواءهم على الله و رسوله، و تسلطوا على دين الله تعالى بالتحريف و الإغفال و الانتقاء حسب أهوائهم و ظنونهم. فكان من الأولى أن يردوا على أنفسهم أولا، بأن يُجبروها على الالتزام بالشرع، و عدم إتباع أهوائها. فهذا أعظم رد كان عليهم أن يقوموا به قبل أن يردوا على

(1) حافظ بن أحمد حكمي: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، دار ابن القيم، الدمام، 1990، ج 1 ص: 110 - 111.

(2) ابن مفلح: الآداب الشرعية و المنح المرعية، بيروت، دار العلم للجميع، 1972،ج 1 ص: 11، 235 - 236. و الخلال: السنة، حققه عطية الزهراني، ط 2 الرياض، دار الراية،1415 ج 1 ص: 235، 526، 532، 543، 549. و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 280 .. و عبد الإله الأحمدي: المسائل و الرسائل المروية عن الإمام احمد، ط 2 الرياض، دار طيبة، ج 1 ص: 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت