الطبيعة تكلموا فيها غالبا بنظرة تجريدية لا تجريبية لخدمة قضاياهم الكلامية، و ليس من أجل الفائدة العملية.
و أخيرا- ثالثا- إنه إذا كان المعتزلة خاضوا في دقيق الكلام و جليله بطريقة ضررها أكثر من نفعها، فإن هناك علماء آخرون تكلموا في دقائق علوم أخرى و جلائلها كانت مفيدة و أكثر نفعا للناس، كالذين اهتموا بدقائق علم الفقه وأصوله، و التفسير و علوم القرآن، و علم الجرح و التعديل، و اللغة و آدابها منذ القرن الهجري الأول، فهؤلاء كانت لهم مناظرات و اختيارات، و تركوا لنا كثيرا من دقائق علومهم كانت أكثر انسجاما مع الشرع و العقل، و أكثر فائدة بفارق كبير جدا مما أذهب المعتزلة فيه أعمارهم و جهودهم من النظر في مباحث كلامية تجريدية جوفاء، و منحرفة عن الشرع و العقل معا. فالرجل بالغ في مدح أصحابه حتى مدحهم بسلبياتهم و أخطائهم، و بالغ في تضخيم إيجابياتهم القليلة.
و الموقف الثالث عشر يتعلق برأي للباحث سليمان الشواشي مفاده أن واصل بن عطاء هو (( الفارس الأول لدوحة علم الكلام ) ) [1] .
و أقول: إن الصحيح من الناحية التاريخية هو أن علم الكلام الصحيح هو علم من علوم الشريعة، يُمكن تسميته علم الإيمان، و هذا ظهر مع دين الإسلام، و اكتمل باكتماله. و قد حمله الصحابة و التابعون و السلف الصالح مع حملهم لباقي علوم الشريعة، و نشروه بين المسلمين و ردوا به على الفرق المنحرفة كالمعتزلة و الجهمية و المجسمة. و كتبهم المتعلقة بأصول الدين تشهد على ما قلناه.
و اما كلام المعتزلة، فهو من علم الكلام الفاسد القائم على الخلفيات المذهبية و التأويل التحريفي للنصوص الشرعية. و هذا العلم لم يظهر على يد المعتزلة، و إنما ظهر قبلهم على يد الفرق المنحرفة عن الشرع من السبئية، و الخوارج، و الجبرية، و القدرية، و الجهمية [2] . و هؤلاء كانت لهم آراؤهم و أهواؤهم تميزوا بها، و دافعوا عنها و برروها بطرقهم و آرائهم الفاسدة و المُحرفة للشرع و التاريخ و العقل، فنشأ على يدهم علم الكلام الفاسد. فلما ظهرت المعتزلة وجدت الأرضية مهيأة لها،
(1) سليمان الشواشي: واصل بن عطاء و آراؤه الكلامية، الدار العربية للكتاب، ليبيا، 1993، ص: 7.
(2) سبق توثيق ذلك، و هذا من التاريخ الثابت الذي لا اختلاف حوله.