فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 218

الفصل الأول فلا نعيده هنا. ففلسفة المعتزلة للتوحيد لم يكن عملا صحيحا سليما قائما على الوحي الصحيح و العقل الصريح، و إنما كان عملا تحريفيا أفسدوا به عقولهم و عقيدتهم، و أساؤوا به على الدين أيضا.

و الموقف الثاني عشر يتعلق بقول للمعتزلي أبي الحسين الخياط مدح فيه أصحابه بقوله: (( إن الكلام، و ما يكون و في الكل، و في البعض، و ما يتناهى، من غامض الكلام و لطيفه، و إنما كان أبو الهذيل العلاف يكثر ذكره، و الكلام فيه لشدته و لعنايته به، وهذه هي سبيل العلماء، و إنما يعنون من العلم بأشده و أصعبه، و بعد فهل يعرف في الأرض من فصل بين هذين الكلاميين إلا المعتزلة كإبراهيم، و الأسوارى، و معمر وبشر بن المعتمر، و جعفر، و الاسكافي، رحمهم الله، لأنهم المعنيون بالتوحيد، و الذب عنه من بين العالمين ) ) [1] .

و أقول: أولا إن هذا الرجل مدح نفسه و أصحابه بسلبياتهم و أخطائهم و بما ليس فيهم و لا لهم. و معظم أعمال المعتزلة الفكرية في العقائد هي ضدهم و مخالفة للشرع الصحيح و العقل الصريح، و هم بذلك من الذين يصدق ليهم قوله تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} الكهف 104 - .

و ثانيا ليست العبرة في الخوض في دقيق الكلام و جليله، و إنما العبرة في الخوض فيما يدركه العقل، و فيما يأمر به الشرع و يحتاج الناس إليه، و فيما يُقره العقل و العلم، علمًا بأن كل علم يتضمن جليل الكلام و دقيقه، و ليس هذا خاصا بكلام المعتزلة خاصة، و لا بعلم الكلام عامة. لكن المعتزلة خالفوا ذلك، ولم يلتزموا به، و تكلموا كثيرا في أمور لم يكن الناس في حاجة إلى الخوض فيها لأن الشرع بيّنها و جلاها، و إنما كانوا في حاجة إلى تطبيقها و الالتزام بها. لكنهم خاضوا فيما لا يُدركونه، و لا أمر به الدين، و قرروا ما يُخالف الشرع و العقل معا. و أذهبوا أوقاتهم و جهودهم في أمور ضررها أكثر من نفعها، و صرفوا الناس عما ينفعهم في الدنيا و الآخرة، و شغلوهم بخلاف ذلك. و منهجهم قد أغرقهم في القضايا النظرية التي لا حاجة إليها، و أبعدهم عن العلم العملي التطبيقي القائم على التجربة. و هم حتى عندما تكلموا أحيانا في أمور تتعلق بعلوم

(1) أبو الحسين الخياط: الانتصار و الرد على ابن الرواندي الملحد، ط 2، الدار العربية للكتاب، 1993، ص: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت