،و يصبح عبدا لأهوائه و وظنونه. فمهما تظاهر المعتزلة بالافتخار بالحرية و التوحيد، فهم في الحقيقة عطلوا التوحيد و أفسدوه، و فقدوا الحرية التي يتغنون بها، ثم انعكس هذا على الشريعة من الناحية العملية. لأن الذي يتقدم على خالقه من الناحية العقدية و النظرية، فإن هذا سينعكس سلبا و بالضرورة على السلوكيات، فيتسع مجال الانحراف و الضلال، و يضيق مجال الالتزام بالشرع. فأين حكاية التوحيد و الحرية المزعومة التي يتغنى بها المعتزلة و المُعجبون بهم؟؟!!.
علما بأنه ليس من الحرية، و لا من الاستنارة، و لا من العقل تقديم الآراء و الأهواء، و الظنون الشخصية على الشرع بدعوى العقل. فهذه جريمة كبرى في حق الوحي الصحيح و العقل الصريح، و هي حرمان للعقل من حريته الحقيقية، و إبعاد له عن مجاله الصحيح، وزج به في غير ميدانه، و تضييع لأوقاته و جهوده، و تكبيل له بالأهواء و الأغلال، و إغراق له بالشكوك و الشبهات.
و أخيرا - رابعا - إن انتقادات أهل السنة للمعتزلة كانت صحيحة في أساسها و مجملها، و هم كانوا يعرفونهم جيدا، و على علم تام بمذهبهم، لأن المعتزلة أنفسهم خرجوا منهم، و كانوا يعيشون معهم، و على اتصال بهم، و ناظروهم في محنة خلق القرآن و قاوموهم عندما فرضوها عليهم بالقوة. و كان بعض أهل السنة من المعتزلة ثم تركوهم و التحقوا بأهل السنة، فكانوا على علم بمذهبهم. فكيف يُقال: إنهم أخذوا أفكارهم عنهم من خصومهم كابن الرواندي؟؟. فهذا زعم باطل جملة و تفصيلا.
و أما فيما يخص قوله الأخير المتعلق بالتوحيد عند المعتزلة، فإن التنزيه المطلق لله تعالى عن صفات المخلوقين هو أمر من قطعيات دين الإسلام و بديهياته، و قد كان عليه الصحابة و التابعون و تابعيهم من أهل السنة [1] . و أما المعتزلة فلا يصدق ذلك عليهم، فهم متناقضون و مخالفون للشرع و العقل معا في موقفهم من الصفات الإلهية. لأنهم أخطؤوا في موقفهم من معنى الإثبات و التنزيه و التشبيه، و نفوا الصفات و عطلوها، و إن تظاهروا بإثباتها بدعوى إثباتهم للأسماء. فأوقعهم ذلك في التشبيه و التجسيم من حيث أرادوا تجنبه من جهة، و شبّهوا الله تعالى بالجمادات و المعدومات من جهة أخرى. و هذا أمر سبق تفصيله في
(1) راجع في ذلك: ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة.