المعتزلة أحسن حالا، و إنما هو التسوية بينهما في المنطلق المُتمثل في الانحراف المنهجي، فأصل انحراف الطائفتين واحد. و هذا هو الذي أغفله الباحث محمد صالح السيد أو غاب عنه.
و ثانيا إن القول بوجود قيم العقل و الحرية و الاستنارة في الفكر المعتزلي هو كلام فيه حق و باطل، و باطله أكثر من حقه. و الحقيقة هي أن مدرسة المعتزلة تضمنت قيما أخرى تمثلت في قيم إفساد الشرع و العقل من جهة، و هي من جهة أخرى دعوة منهم إلى التخلص من الدين تدريجيا بقصد منهم أو بغير قصد من جهة أخرى، فالنتيجة واحدة. و الصواب الموجود في مذهبهم هو مأخوذ من دين الإسلام و ليس ملكا لهم، و لا خاصا بهم، و لا يحق لهم احتكاره، و لا نسبته إليهم. و هو موجود عند طوائف أخرى من المسلمين.
و أما حكاية الحرية فهذا تغليط و تلبيس، لأن الحرية أمر طبيعي و فطري في الإنسان يُمارسه كل الناس، و يحسون من أنفسهم أنهم مُخيرون في جانب من أنفسهم، و مُسيّرون في جانب آخر منها. و لا يُمكن لأحد أن ينكر ذلك بفعله، و إن أنكره بلسانه، و دعاة الجبرية أنفسهم كانوا يُمارسون ذلك، و نقضوا به مزاعمهم في الجبر، عندما كانوا يدعون إلى مذهبهم في الجبر. و حتى أن كبيرهم جهم ابن صفوان الجبري المعروف كان من المعارضين للدولة الأموية، و قد حمل السلاح لمحاربتها و قٌتل بسبب ذلك [1] . فلا يصح المتاجرة بحكاية الحرية، فكل طرف يستطيع أن يدعي ذلك لنفسه، و نحن نعلم ماذا فعل المعتزلة بخصومهم عندما كانت السلطة بيد خلفاء المعتزلة: المأمون، و المعتصم و الواثق. إنهم فرضوا مذهبهم في القول بخلق القرآن على الناس بالقوة، و أدخلوا الأمة في محنة كبيرة؛ و عذبوا كثيرا من الناس، و حرموا بعضهم من حقوقهم، و مات بعضهم بسببهم. فأين حكاية الحرية و الاستنارة [2] ؟؟!!، أم أن ذلك هو من الحرية و الموضوعية، و من العقل و الاستنارة؟؟!!.
و ثالثا إن مذهب المعتزلة في الحقيقة قد أبعد العقل المسلم عن عبادة الله حسب شرعه: توحيدا و ممارسة، إلى عبادة أهوائه و ظنونه و آرائه. و بذلك يفتقد المسلم الحرية الحقيقية التي يجدها في كمال عبوديته لله تعالى
(1) سبق توثيق ذلك.
(2) عنها أنظر مثلا: ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 3 ص: 81 و ما بعدها.