فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 218

أهل السنة للمعتزلة نظرة يملؤها الشك والاتهام، من هنا ينشغل المعتزلة بالدفاع عن عقيدتهم، بدلا من التصدي لخطط الباطنية والزنادقة. )) [1] . و قال أيضًا: إن المعتزلة (( فلسفت التوحيد، و أقامت تلك الفلسفة على مبدأ عام، هو التنزيه المطلق لله تعالى، عن صفات المخلوقين ) ) [2] .

و أقول: أولا إن قول الباحث بأن المعتزلة هم الذين ردوا على أعداء الإسلام من الباطنية و غيرهم، هو قول سبق أن رددنا عليه، و بينا حقيقته، فلا نعيده هنا. و من جهة أخرى فإن ابن الرواندي لم يكن من الباطنية، و إنما كان أولا من المعتزلة، ثم انفصل عنهم و خالط اليهود و النصارى و الرافضة، ثم تزندق و التحق بالزنادقة [3] . فالرجل خرج من مذهب فاسد إلى مذهب أفسد منه، و أكثر ضلالا و انحرافا، ثم انتهى به الأمر إلى الكفر و الزندقة، و قيل أنه تاب عند موته [4] .

و أما حكاية المنهج الباطني، فالرجل نسي أو تناسى، بأن المذهب الباطني يقوم على التأويل الفاسد للنصوص الشرعية من جهة، و تقديم الآراء و الأهواء و الظنون عليها من جهة أخرى. و هذا المنهج كان موجودا قبل ظهور المعتزلة، فقد مارسته السبئية، و الشيعة، و الخوارج، و الجبرية، و القدرية، و الجهمية. ثم عندما ظهرت المعتزلة أخذت بهذا المنهج و أقامت عليه مذهبها الكلامي. فالمنهج الباطني كان موجودا، و قد أخذت به المعتزلة في الجانب النظري المُتعلق بالعقائد، لكن الذي فعلته الباطنية هو انها أخذت نفس منهج المعتزلة المتعلق بالتأويل الفاسد للنصوص، و تقديم الآراء و الأهواء على الشرع، و طبقته على الدين كله فيما يتعلق بالعقائد، و العبادات، و الأخلاق و المعاملات، و قالت: لكل ظاهر باطن، و لكل تنزيل تأويل [5] . فالسبئية و القدرية، و الجهمية و المعتزلة هم سلف الباطنية من جهة، ثم أن الباطنية وسعوا منهج المعتزلة ليشمل كل الدين من جهة أخرى. فالفارق الأساسي بين المعتزلة و الباطنية ليس فارقا حاسما، لأنه ليس فارقا منهجيا، و إنما هو فارق في درجة الانحراف مع وحدة أصل المنهج. فالمعتزلة ضيقوا مجاله، و الباطنية وسعوه ليشمل كل جوانب الدين. لكن الذي أريد قوله هنا ليس هو التسوية بين المعتزلة و الباطنية في حال كلٍ منها كطائفة، فلا شك أن

(1) محمد صالح السيد: أبو جعفر الإسكافي و آراؤه الكلامية و الفلسفية، دار قباء، القاهرة، 1998، ص: 10.

(2) نفس المرجع، ص: 109.

(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 14 ص: 59 و ما بعدها.

(4) نفسه، ج 14 ص: 61.

(5) الشهرستاني: الملل و النحل، الدار العلمية، بيروت، 1998، ص:228 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت