فهرس الكتاب
و الاستدلال الثالث مفاده أن الزمخشري قال: ولا يلزم قول موسى: {قَالَ لَن تَرَانِي} الأعراف 143 - ، لأنه إنما قال ذلك ليُبَكِّتَ الذين سألوا الرؤية بالحجة على إحالتها وليلقمهم الحجر عند استماع قوله: {لَن تَرَانِي} الأعراف 143 - . بل الصحيح خلاف قوله هذا، لأن طلب موسى- عليه السلام- رؤية الله تعالى هو نفسه شاهد على إمكانية حدوث الرؤية، فلو كانت مستحيلة من جهة الإمكان لما طلبها موسى. فهي قد كانت غير مُمكنة في الدنيا فقط، و لم تكن غير مُمكنة كليةً، و لهذا لم يقل الله له أنها مُستحيلة مُطلقا، و إنما نفى أن يراه في الدنيا، و لم ينف الرؤية يوم القيامة. فقال سبحانه: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} الأعراف 143 - .
وثالثا إن رفض المعتزلة لرؤية الله تعالى يوم القيامة بدعوى أنها تتطلب المقابلة و الجهة في مكان، و الله تعالى لا تجوز في حقه المقابلة لأنه ليس بجسم و لا هو في جسم؛ فهو اعتراض باطل لا يصح الاحتجاج به. لأن المقابلة ليست خاصة بالكائن الجسماني دون غيره من الكائنات، و إنما هي تخص كل كائن مهما كانت طبيعته. و نفس الأمر ينطبق على المكان. فبما أنه موجود فالمقابلة و المكان من صفاته حسب طبيعته و ما يليق به و يُناسبه، و إلا فهو غير موجود، لأن المعدوم لا يُوصف بالمقابلة و لا بالمكان، بسسب أنه غير موجود. و عليه فبما أن الله تعالى موجود أزلي، فرؤيته ممُكنة و المقابلة في حقه سبحانه ليست مُستحيلة، و لا هي بنقص و لا بعيب.
و أخيرا - رابعا - ففيما يخص اعتراضات القاضي عبد الجبار و تأويلاته، فلم يصح منها شيء، و ما هي إلا تأويلات فاسدة، أظهرت عدم احترامه للمنهج العلمي في البحث و الاستدلال. فمن ذلك أنه رد ما نص عليه قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} - سورة القيامة:22 - 23 - . رده باحتمالات و تفسيرات وهمية زائفة نفى بها الرؤية التي نصت عليها الآية. و هي احتمالات و تأويلات لا تصح، لأن الآية لا تقبلها، و لأنها مطلقة و ليست مُقيدة، و عامة و ليست خاصة، و لا يحق له أن يُُقيدها و لا أن يُخصصها. فهي تشمل الرؤية بالبصر أولا، و حتى و إن جعلنا النظر عاما لمختلف انواع النظر، فهو يبقى يشمل