فهرس الكتاب
لو تتوفر لنا وسائل تُمكننا من رؤيتها. و هذا هو الذي حدث في عصرنا الحالي، فبفضل التطور العلمي أستطاع العلماء من رؤية كائنات كثيرة دقيقة لا يُمكن رؤيتها بالعين المجردة؛ فرأوها بالمجاهر الإلكنرونية، كالجراثيم و البكتريا.
و هذا يعني أن عيوننا يُمكنها أن ترى كائنات غير مرئية لها، إذا توفرت لها ظروف تُمكنها من ذلك. و بما أن الأمر هكذا فما المانع من أن يُهيء الله تعالى الظروف للمؤمنين يوم القيمة ليرونه؟. فواضح أنه لا يُوجد أي مانع عقلي، و لا علمي، و لا شرعي، يمنع ذلك، فهو أمر مُمكن الحدوث.
و أما استدلاله بالقرآن الكريم لنفي الرؤية فلا يصح، و فيه تغليط و إغفال لنصوص أخرى صريحة في إثبات الرؤية يوم القيامة. فمن ذلك أن الرجل استدل بقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الأنعام 103 - على نفي حدوث الرؤية. و هذا استدلال لا يصح، لأن الآية نفت إدراك الأبصار له، و من معاني الإدراك: الإحاطة و العلم بحقيقة الشيء؛ و هي لم تنف إمكانية رؤية الأبصار لله، و إنما نفت إدراكها له. فقالت: لا تدركه، و لم تقل: لا تراه. فالفرق واضح بين الإدراك و الرؤية، فهما غير مُتطابقين، و لا مُترادفين من جهة المعنى. و حتى إذا افترضنا جدلا أن الآية قصدت بالإدراك الرؤية بالبصر، فهذا يعني أن الآية نفت حدوث رؤية الله في الدنيا لا في الآخرة، مصداقا لقول النبي -عليه الصلاة و السلام-: (( تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت ) ) [1] .
و استدل أيضا على موقفه بقوله تعالى: {قَالَ لَن تَرَانِي} الأعراف 143 - ،و {فَقَالُوا أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} النساء 153 - ، فزعم أن هذا يعني أنهم طلبوا أمرا غير جائز مُطلقا. و هذا غير ثابت، و إنما قد يعني أنهم طلبوا أمرا غير جائز في الدنيا لا في الآخرة. بل هذا هو الصحيح، فالمنع خاص بالدنيا لا بالأخرة، و قد سبق أن ذكرنا النصوص الشرعية على أن المؤمنين سيرون ربهم في الآخرة.
(1) الترمذي: السنن، ج 4 ص: 270. و مسلم: الصحيح، ج 8 ص: 195.