فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 218

الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ الروم 42 - ، و {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} سورة ق:6 - . فهذا النظر الذي أمرت به هذه الآيات و دعت إليه يعني من دون شك: الرؤية، و المشاهدة و الإبصار بالعين.

علمًا بأنه يوجد فرق واضح بين النظر الذي يعني الرؤية و المشاهدة و الإبصار، و بين الإنظار بمعني التأخير و الإمهال [1] ، كقوله تعالى: قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ) سورة الأعراف: 13 - 15 - .

فهل هذا الرجل أخطأ فيما قاله، أم أنه تعمد قول ذلك لغاية مذهبية في نفسه؟!. لا شك أنه تعمد قوله انتصارا لمذهبه في إنكاره لرؤية الله تعالى يوم القيامة. لأن خطأه هذا مخالفة صريحة لنصوص الكتاب و السنة، و ليس هو من الأخطاء التي يقع فيها أهل العلم بسبب الاجتهاد في طلب الحقيقة.

و ثانيا ففيما يخص اعتراضات و شبهات الزمخشري المتعلقة بإنكاره للرؤية، فهي اعتراضات لا تصح. لأنه من الخطأ إصدار حكم مُطلق باستحالة رؤية ما ليس بجسم، و لا عرض بشيء من الحواس. لأن الذي يستحيل رؤيته هو المعدوم لأنه غير موجدود، و أما الموجدود، فبما أنه كائن موجود فيُمكن رؤيته من جهة الإمكان حتى و إن عجزت حواسنا المجردة عن رؤيته. لأنه يمكن أن تتوفر لنا ظروف و وسائل تمكّن عيوننا من رؤية كائنات غير جسمية. فلا يُوجد أي مانع يمنع هذا الذي ذكرناه. فالاعتراضات التي ذكرها الرجل هي موانع تمنع عيوننا من رؤية كائنات لايُمكنها رؤيتها، لكن رؤيتها ليست مُستحيلة، فيُمكن رؤيتها لو تغيرت الظروف، أو توفرت وسائل تُمكننا من رؤية كائنات لم تكن عيوننا قادرة على رويتها. فعدم قدرة عيوننا على رؤية الله تعالى في الدنيا أمر ثابت قطعا بدليل الشرع و الواقع، لكن لا يعني هذا إستحالة رؤيته مُطلقا، فيُمكن أن يصبح مُمكنا في العالم الآخر، خاصة و نحن نعلم أن كوننا هذا فيه الزمان و المكان نسبيان، فما بالك بعالم يوم القيامة؟!.

كما أن استدلاله بأن عدم رؤيتنا لله في الدنيا مع سلامة أبصرنا دليل على أنه لا يُرى هو استدلال لا يصح. لأن الكون مملوء بمخلوقات كثيرة لا نراها، لكنها قابلة للرؤية من جهة الإمكان، و يُمكن أن نراها حقيقة

(1) ابن منظور: لسان العرب، ط قم، إيران، 1405، ج 17 ص: 434.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت