فهرس الكتاب
شاء الله لها أن تحدث. فهو سبحانه فعال ليما يُريد في تمكين الإنسان من حدوث رؤية الإنسان له سبحانه من عدمها.
و أما شرعا فقد وردت نصوص من القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة لم تنص على إمكانية رؤية المؤمنين له فقط، و إنما نصت على أنهم سيرونه يوم القيامة فعلا. فمن القرآن قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} - سورة القيامة:22 - 23 - ، و {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} المطففين:15 - . و من السنة النبوية الصحيحة قول النبي- عليه الصلاة و السلام - قوله: (( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ) ) [1] . و قوله: «إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار - قال - فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل» [2] .
و أما تأويلاتهم لتلك النصوص و غيرها، فهي تأويلات تحريفية مكشوفة لا يُمكنها أن ترد تلك النصوص في إثباتها لرؤية الله يوم القيامة. فمن ذلك تأويل المحسن الجشمي لقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} - سورة القيامة:22 - 23 - ، فحرّف الآية و زعم أن النظر ليس هو الرؤية. و هذا زعم باطل مردود عليه، بدليل قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} الأعراف 143 - . فهذه الآية دليل قاطع على بطلان زعمه في تفريقه بين النظر و الرؤية، و أن النظر ليس هو الرؤية، فقد جمع الله بينهما في آية واحدة، فدلّ هذا على النظر يعني الرؤية، و الرؤية تعني النظر. و نفس الأمر حدده الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، و فيه أن النبي -عليه الصلاة و السلام- قال: « ... فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل» [3] . فالنظر هنا يعني الرؤية. و من ذلك أيضا قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} الأنعام:11 - ، و {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} يونس 101 - ، و قُلْ سِيرُوا فِي
(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 115.
(2) مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 112.
(3) الصحيح، ج 1 ص: 112.