فهرس الكتاب
ناظرا على وجوه، بأن يكون مفكرا و منتظرا للرحمة و طالبا للرؤية، فهو محتمل إذا، و لا يترك به ما لا يحتمل، و تأويله: منتظرة لرحمة الله و ناظرة إلى ثوابه و نعيمه في الجنة فان قالوا: فقد قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} المطففين 15 - ،وذلك يدل على أنه يجوز أن يُرى. قيل «لهم» إن دل على ذلك فيجب أن يدل على جسم في مكان ما، وذلك بين الفساد، والمراد بذلك أنهم عن رحمته ممنوعون )) [1] .
و قال أيضا: (( دليل آخر: لو كان تعالى يُرى بالبصر لوجب أن يجوز أن يكون في جهة، إما بنفسه و إما بمحله، و ذلك مستحيل عليه، يبين ذلك أن الواحد منا كما يحتاج إلى حاسة البصر في الرؤية، فكذا يحتاج إلى أن يكون ما يراه مقابلا لحاسته، إما بنفسه و إما بمحله، و كذلك متى أراد أن يرى ما لا يقابله يستعين بالمرآة، فتصير مقابلته لها كمقابلته لبصره. إن قالوا: إذا لم يره أهل الجنة، فكيف يتكامل سرورهم؟ قيل لهم: إنما يسر أحدنا برؤية من يراه إذا كان يشتهي النظر إلى صورته، فقولوا: انه تعالى ذو صورة، وممن يشتهي، وهذا كفر من قائله، وإنما يتكامل سرورهم بالنعيم الدائم الذي يديمه لهم من كل وجه ) ) [2] .
ثم قال: (( و أقرب ما روي في ذلك، أن النبي- عليه السلام- قال:"ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته". و قد قال أصحابنا: أن خبر الواحد لا يقبل في مثل ذلك، وإنما يقبل خبر الواحد فيما طريقه العمل. وقالوا: لو قال النبي- عليه السلام- ذلك، لتناولناه و حملناه على العلم، وأنه عليه السلام بشر أصحابه بأنهم يعرفون ربهم في الآخرة ضرورة بلا كلفة ونظر. ورووا في مقابلة ذلك أخبارا مخالفة ) ) [3] ... .
و ردا عليهم أقول: أولا ففيما يخص إنكارهم لرؤية الله تعالى، و قولهم أنها مستحيلة في حقه سبحانه و تعالى. فهذا موقف لا يصح، و مخالف للعقل و الشرع معا. فأما عقلا فإن كل موجود يُمكن ُرؤيته، لأن المعدوم هو الذي لا يُمكن رُؤيته لأنه غير موجود. لكن هذا لا يعني أن كل موجود يجب أن يُرى، وإنما يعنى أنه يُمكن أن يُرى بحكم أنه كائن موجود. و فيما يخص الله تعالى فرؤيته سبحانه مع أنها مُمكنة، فإنها لا تحدث إلا إذا
(1) القاضي عبد الجبار: المختصر في أصول الدين، ص: 220.
(2) نفس المصدر، ص: 221، 222.
(3) أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار، و الحاكم الجشمي: فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة، ص: 158.