فهرس الكتاب
هيمنته، و هذا مخالف لما نصّ عليه الشرع، و يتضمن نقصا و قدحا في حق الله تعالى من جهة هيمنته و عظمته و كبريائه سبحانه و تعالى.
و تفصيل ذلك أولا إن كلام هؤلاء المعتزلة فيه تلبيس و تغليط، و سوء فهم، و تحريف للشرع. لأن الثابت شرعا و عقلا أن كل قضاء الله تعالى هو حق و عدل و حكمة، و لا يُوجد في قضائه و تقديره و مشيئته ظلم و لا عبث. و هو سبحانه يحب الحق و العدل، و من عدله و حكمته أنه قدرّ و شاء كل ما يحدث في العالم قبل خلقه، منها أفعال البشر الشريرة و القبيحة. و إثبات التقدير الإلهي لهذه الأفعال ليس ظلما و لا عبثا، و لا يصح لوم الله تعالى على قضائه و تقديره و مشيئته لها.، لأن شرور البشر و قبائحهم منهم و بأفعالهم، و ليست من الله أمرا و لا منه فعلا. و الذين يلومون خالقهم مخطئون في موقفهم هذا، و مفترون عليه و على و أنفسهم. يُقابلهم المعتزلة الذين أنكروا ما أثبته الوحي الصحيح من أن الله تعالى هو الذي قدّر أفعال البشر كلها و شاءها بعدله و حكمته من دون أي ظلم منه، و لا هو فعلها. فالطرفان على خطأ في موقفهم من هذا الموضوع.
علما بأن قضاء الله و تقديره و مشيئته لقبائح البشر ليس فعلا قبيحا كما زعم المعتزلة. فهذا لا يصح، و فيه تحريف للشرع و تلبيس على الناس. لأن الله تعالى ليس هو الذي فعل قبائح البشر، فهم الذين فعلوها و إنما هو قضى و قدّر و شاء ما فعله البشر من قبائح و غيرها بإرادته الكونية المهيمنة على الكون بأسره. و هذا الفعل هو من حكمته و عدله، و كماله و عظمته، و ليس ظلما و لا قبحا، كما زعم المعتزلة. و من جهة أخرى فهو سبحانه أراد ذلك و قدّره و قضاه ليكون حجة على الفاعلين لتلك الشرور و القبائح من عباده بناء على علمه المُسبق لما سيفعله البشر.
و ثانيا إن هؤلاء المعتزلة أخطؤوا في موقفهم من الإرادة الإلهية و علاقتها بأفعال البشر عامة و الشريرة و القبيحة منها خاصة،. مع أن الشرع بيّن ذلك بوضوح، عندما فرّق بين الإرادة الإلهية الكونية المطلقة المهيمنة، و إرادته الشرعية المتعلقة بأوامره و نواهيه، و بما يُحبه و يرضاه، و بما لا يُحبه و لا يرضاه .. فهؤلاء تركوا الشرع و راء ظهورهم، و تعلّقوا بشبهات و ظنون و أهواء لا دليل صحيح عليها من الشرع و لا من العقل.