فهرس الكتاب
و قد نسي هؤلاء أو تناسوا أن الشرع قد نص على أن ما يحدث في الكون كله داخل في مشيئة الله و قضائه و قدره، لكنه من جهة أخرى أشار أيضا إلى أن من بين ما قضاه و قدره و شاءه أفعال لا يُحبها، و لا أمر بفعلها، و إنما نهى عنها، و توعّد فاعليها بالعقاب الشديد. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} الأنعام 112 - ،و {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} الأنعام 137 - ،و {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} الزمر 7 - ،و {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود 118 - ،و {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} يونس 99 - . بمعنى أنه تعالى شاء بأن ذلك لا يحدث، و هذا لحكمته و عدله، لأنه ترك للناس حرية الاختيار، و هذا كله بمشيئته، فلوا جعلهم كلهم مؤمنين لكان بمشيئته أيضا. فلا يحدث شيء في الكون إلا بقضائه و قدره و مشيئته سبحانه و تعالى، و إن كان من بين ما يحدث فيه ما لا يُحبه و لا يرضاه. فلا يُوجد في مخلوقاته إلا ما قضاه و قدره و شاءه، لكن يُوجد منها ما لا يُحبه و لا يرضاه، و لا أمر به. هذا الذي لا يُريد المعتزلة فهمه و الإقرار به، لكنهم من جهة أخرى خاضوا فيه بطريقة خاطئة منطلقا و نتيجة جنوا بها على الشرع و العقل معا.
و ثالثا إن كلام المُحسن الجشمي المتعلق بالأفعال القبيحة [1] ، فيه حق و باطل، و وجهه توجيها تحريفيا انتصارا لمذهبيته الاعتزالية من جهة، و أهمل الشرع و جعله من وراء ظهره، و لم يُقرر الموضوع كما قرره الشرع من جهة ثانية، و لم يُفصل ذكر موقف مخالفيه الذين سماهم المُجبرة من جهة ثالثة.
فمن الثابت شرعا و عقلا أن الله تعالى يأمر بالعدل و الإحسان، و ينهى عن الفحشاء و المُنكر و البغي. قال سبحانه: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل 90 - ،و {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هود 56 - . فهو سبحانه لا يظلم و لا يفعل المنكرات، لكنه من جهة أخرى هو الذي
(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، حققه عبد السلام عباس الوجيه، ص: 83.