فهرس الكتاب
قضى و قدّر و شاء كل ما يحدث في العالم. منها شرور و مصائب تصيب الإنسان في الأرض، فعلها الله تعالى كعقاب للبشر على كفرهم و عصيانهم، أو فعلها بالمؤمنين تأديبا و ابتلاءا و تمحيصا. فلا يصح وصفها بأنها قبائح من الله تعالى، و إنما هي أفعال عقابية لما فعله الإنسان من منكرات و قبائح. فأفعال الإنسان هي القبيحة، و أفعال الله تعالى لا تخرج أبدا عن الحكمة أو العدل، أو الإحسان، أو الرحمة. و الشاهد على ذلك قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال 30 - . فالله تعالى رد على الماكرين و وصف نفسه بأنه خير الماكرين، لأن مكره هذا هو عدل و حكمة، و ليس ظلما و لا عبثا، خلاف مكر البشر الذي هو ظلم و عصيان. فهذه الأفعال الله تعالى هو الذي فعلها و قدّرها و شاءه بحكمته و عدله، لكن لا يصح نفيها عنه سبحانه بدعوى أنها قبائح كما فعل المعتزلة، و لا نسبتها إليه ووصفها بأنها أفعال قبيحة.
و رابعا إن المثال الذي ذكره القاسم الرسي بقوله: (( فقال لا شريك له: {ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج} [النور:61] . لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم، ولم يقل جل ثناؤه: ليس على الكافر حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على السارق حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم، ولم يدخلهم فيه، ولم يقض ذلك ولم يقدره، لأنه جور وباطل، والله جل ثناؤه لا يقضي جورًا ولا باطلًا ولا فجورًا، ... ) ) [1] . فهو مثال لا يصح لنفي قضاء الله و قدره و مشيئته عن قبائح البشر من جهة، و فيه تلبيس و تلاعب و سوء فهم لمعنى القضاء و القدر من جهة أخرى. لأن كل ما يحدث في العالم، و منه قبائح البشر لا يخرج و لن يخرج عن قضاء الله و قدره و مشيئته كما سبق أن بيناه. و هذا الأمر لا دخل له في أفعال البشر الاختيارية الحسنة منها و الشريرة، فهم الذين يفعلونها بكل حرية، لكنها من جهة أخرى هي من قضاء الله و قدره و مشيئته من جهة خضوعها للإرادة الإلهية الكونية المهيمنة على كل ما يحدث في العالم، و من جهة دخولها في العلم الإلهي المُسبق بناءً على أنه سبحانه علام الغيوب. فإذا كان الله تعالى لم يأمر الكفار بالكفر، و لا أجبرهم عليه، و إنما نهاهم عنه، فلما عصوا و كفروا و تمردوا ختم على قلوبهم، فإن كل ذلك حدث بقضاء الله و قدره و مشيئته بناء على علمه
(1) القاسم الرسي: كتاب العدل و التوحيد، و نفي التشبيه عن الله الواحد الحميد، ضمن: رسائل العدل و التوحيد، تحقيق محمد عمارة، ط 2، دار الشروق، القاهرة، 1988، ص: 139.