فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 218

المُسبق. و هذا ليس ظلما و لا جورا، و ليس قهرا ولا جبرا، و لا يصح تسوية عمله هذا بأفعال البشر القبيحة، كما فعل القاسم الرسي و أصحابه المعتزلة.

و لا يغيب عنا أن سبق القضاء و القدر، و المشيئة الإلهية لأفعال البشر الحسنة منها و القبيحة، هو سبق لا يعني قهرا، و لا جبرا، و لا ظلما أبدا، و إنما هو فعل إلهي يدل على كمال علم الله، و طلاقة أفعاله سبحانه و تعالى. و مثال ذلك- و لله المثل الأعلى- لو أن أستاذا قال: إن التلميذ الفلاني سينجح و ينال الشهادة، و أن التلميذ الفلاني سيرسب و يُعيد العام. ثم في نهاية السنة كانت النتيجة كما تنبأ الأستاذ، فإن هذا لا ينعي أن الأستاذ هو السبب في نجاح الأول و قد تعاطف معه و ساعده، و هو السبب في رسوب الثاني و قد ظلمه؛ و إنما يعني أنه قرأ المستقبل بناء على معرفته بالأول أنه مجتهد، و معرفته بالثاني أنه كسول. و بذلك يسقط زعم القاسم الرسي و تأويله الفاسد المخالف للشرع و العقل معا.

و خامسا إن الشبهات و الاعتراضات التي أثارها يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي في رده على مخالفيه القائلين بقضاء الله و قدره و مشيئته لكل ما يحدث في العالم منها قبائح البشر؛ هي اعتراضات و شبهات باطلة شرعا و عقلا، و تضمنت تلبيسات و مغالطات و مبالغات دلت على أن هذا الرجل إما أنه لم يفهم المعنى الصحيح للقضاء و القدر في الشرع، و إما أنه تعمد قول ذلك لغاية في نفسه. لأنه قد سبق أن أبطلنا معظم الشُبهات و المغالطات و التأويلات التحريفية التي أثارها الرجل حول القضاء و القدر و المشيئة الإلهية من الناحتين الشرعية و العقلية. و بينا أن لله تعالى إرادتين كونية قهرية مُهيمنة على العالم، و إرادة شرعية تتعلق بأوامره و نواهيه المتعلقة بالعبادة التي فرضها سبحانه على بني آدم. وهي تتعلق بالجانب المُخير من حياة الإنسان، و به يستطيع أن يُطيع الله تعالى أو يعصيه، على أن يتحمل مسؤوليته كاملة في كل تصرفاته المُختار فيها. لكنه من جهة أخرى فإن حريته هذه ليست مُطلقة بحيث يستطيع أن يتجاوز الإرادة الكونية كما يستطيع أن يتجاوز الإرادة الدينية، و إنما هو محكوم بالإرادة الكونية من جهة التنفيذ في الواقع، فلن يحدث شيء من عمل الإنسان لم توافق عليه المشيئة الإلهية الكونية، لقوله سبحانه: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} الإنسان 30 - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت