فهرس الكتاب
و من ذلك أيضا إن الرجل لم يَكن موضوعيا في طرح و عرض موقف السنين في قولهم بالقضاء و القدر و المشيئة الإلهية، فتحامل عليهم و لم يشرح قولهم كما يقولون به من جهة، و هجم على موقفهم بخلفيته الاعتزالية تشهيرا و طعنا و اتهاما، و تضخيما و تهويلا من جهة ثانية، و قوّلهم أمرا خطيرا لم يقولوه من جهة ثالثة. و هو أنه كان قد نقل قولهم صحيحا في البداية عندما أشار إلى موقفهم - دون تسميتهم - فقال: (( إنهم زعموا أن جميع ما في الأرض من خير أو شر الله قضاه وأراده وشاءه وقدره ) ). لكنه عاد و زاد في كلامه أمرا لم يقولوه و نسبهم إليهم، فقال: (( زعم هؤلاء أن الله شاءها وأمر بها ) ). فأهل السنة لم يقولوا و لا يقولون أن الله تعالى أمر بالمعاصي و الفواحش و رضي بها، فهذا افتراء عليهم، و لا أدري هل هذا الرجل أخطأ في نسبة ذلك إليهم، أو أنه تعمد اتهامهم به لغاية في نفسه. و إنما أهل السنة يقولون: إن كل ما يحدث في الكون من خير و شر، و ما فيه من مخلوقات كل ذلك تم وفق قضاء الله و قدره، و هذا يتعلق بالإرادة الكونية و استدلوا على ذلك بالوحي الصحيح و العقل الصريح، و العلم الصحيح [1] . و من جهة أخرى قالوا بأن الله تعالى كلّف الإنسان بعبادته و فرض عليه شريعته بإرادته الشرعية الدينية المتعلقة بحرية الإنسان، فأمره بالإيمان و العمل الصالح، و وعده بالجنة. فإن هو فعل هذا يكون قد أطاع الشرع، فيهديه الله تعالى، و يُحبه و يرضى له ذلك، و يُدخله الجنة. فلو لم يُؤمن و يعمل صالحا ما فاز بذلك، لكن عمله هذا مُرتبط أيضا بالتوفيق و الإذن الإلهي و مشيئة الله المُطلقة، فلما رآه سبحانه استوفى الشروط و استحق ذلك الثواب شاءه له، وأَذِن به.
و من جهة أخرى فإن الله تعالى نهى الإنسان عن الكفر و المعاصي، فإن هو خالفه، فكفر و أفسد في الأرض يكون قد استحق العقاب الإلهي، فيُضله و يبغضه، و يُعاقبه في جهنم. فالله تعالى لم يأمره بذلك، و لا أحب له ذلك، و لا رضي له به، لكنه سبحانه شاءه و أراده لأن هذا الإنسان يستحق ذلك، و لأن فعله هذا مرتبط بالإرادة الكونية المُطلقة المُهيمنة على الكون القاضية بأنه لن يحدث شيء في الكون إلا بمشيئة من الله تعالى و إذنه [2] . و لهذا قال سبحانه: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ
(1) من أوسع الكتب السنة و أحسنها التي تناولت موضوع القضاء و القدر، كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء و القدر و الحكمة و التعليل لابن قيم الجوزية.
(2) للتوسع في موقف أهل السنة من القضاء و القدر، انظر كتاب ابن قيم الجوزية المذكور في الهامش السابق.