فهرس الكتاب
غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا -الكهف: 23 - 24 - .
و أما الذي أشار إليه الرجل من وجود مختلف أنواع الكفر و الفساد في الأرض و استدل به على إنكار كون الله تعالى قد قضى ذلك و قدّره و شاءه. فهو اعتراض لا يصح، لأن وجود ذلك الضلال و الفساد في الأرض يرتبط بأمرين: الأول يتعلق بأفعال البشر، فبما أن الله تعالى جعل الإنسان حرا في جانب من حياته، و هداه النجدين، و ألهمه الفجور و التقوى من جهة، و أنزل عليه شريعته و أمره بطاعته، و نهاه عن معصيته من جهة أخرى. فإن الإنسان الذي كفر و عصى هو الذي أوجد الكفر و الضلال في العالم مع أن الله تعالى قد نهاه عنه و أمره بخلافه.
و الثاني يتعلق بالقضاء و القدر، فالله تعالى قدّر بإرادته الكونية المهيمنة على الكون كل ما سيقع فيه، و أنه لن يحدث فيه شيء إلا إذا شاءه هو سبحانه. لقوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} -الكهف: 23 - 24 - ، و {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} الإنسان 30 - . و عليه فإن وجود قبائح البشر على الأرض ليس هو من فعل الله، و لا هو أمر به، و إنما هو من فعل البشر، كما أن تقدير الله و قضائه و مشيئته لها ليس هو الذي أوجدها، و لا هو الذي أجبر الناس عليها، و إنما هو قضاها و قدّرها و شاءها بعدل و حكمة لكمال علمه و عظمته من جهة، و لأنه سبحانه هو الذي شاء أن لا يحدث في مخلوقاته إلا من شاءه من جهة ثانية، و لأنه سبحانه علام الغيوب قدّر ذلك و قضاه بناءً على علمه المُسبق به من جهة ثالثة.
و بناءً على ذلك فإنه يوجد في الأرض ما يُحبه الله و ما لا يُحبه، و ما أمر به و ما لم يأمر، و ما يرضاه و ما لا يرضاه؛ لكن لا يُوجد في الكون إلا ما شاءه الله و قضاه و قدّره. و هذا هو الذي غاب عن الرجل، أو تناساه.
و سادسا إن قول القاضي عبد الجبار و أصحابه بأن الله لا يفعل القبائح و لا يُريدها، هو قول فيه حق و باطل، و سوء فهم منهم للقضية. لأن الثابت قطعا أن الله تعالى لا يفعل القبائح، و لا يأمر بها، و لا هو الذي فعل قبائح البشر، فهذا أمر مُتفق عليه. لكن الخلاف بيننا و بينهم في قولنا