فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 218

نحن بأن قبائح البشر داخلة في قضاء الله و قدره و مشيئته، و إنكارهم أن يكون ذلك من قضاء الله و قدره و إرادته.

و بناءً على ذلك فمشكلة المعتزلة في موضوع الإرادة و المشيئة، و القضاء و القدر، أنهم لم ينطلقوا من و شرع صحيح و لا من عقل صريح و لا من علم صحيح، وإنما انطلقوا من نظرة جزئية للموضوع بنوها على خلفية اعتزالية فاسدة. هي أنهم اتخذوا موقفا كرد فعل على الجبرية انتصارا للقدرية بطريقة غير صحيحة. فأخطؤوا في موقفهم من القضاء و القدر و الصفات الإلهية. و هو أنهم لم يُفرّقوا بين الإرادة و المشيئة المُعبرة عن الإرادة الكونية المهيمنة من جهة، و بين الإرادة الشرعية المُعبرة عن أوامر الله و نواهيه، و ما يحبه و يرضاه، و ما يكرهه و لا يحبه من جهة أخرى. مع أن الله تعالى قد فرّق بين الإرادتين بوضوح في عديد من آيات الكتاب العزيز. منها قوله: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} الإنسان 30 - .، فهي تُشير إلى الإرادة الكونية المهيمنة على أفعال البشر و غيرهم من المخلوقات. {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} الكهف 29 - ،و {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} - سورة الشمس: 7 - 10،و منها {قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} آل عمران 32 - ،و {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران 140 - ،و {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} الزمر 7 - . فهذه الآيات تُشير صراحة إلى التفريق بين الإرادة الكونية و الإرادة الشرعية، فهو سبحانه لا يُحب الكافرين، و لا المنافقين، و لا الظالمين، لكنه مع ذلك خلقهم، و أعمالهم داخلة في قضائه و قدره و مشيئته، و ما كان لأفعالهم أن توجد لو لم تكن قد دخلت في قضائه و قدره و إرادته. فهم خالفوا الإرادة الشرعية، لكنهم لم يُخالفوا الإرادة الكونية، و لن يستطيعوا ذلك. و منها قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة 41 - ، فهو سبحانه لم يرد أن يُطهرهم لأنهم انحرفوا عن شريعته. و هذا يعني أنه أراد عدم تطهيرهم فأضلهم بإرادته و عدله و حكمته بسبب كفرهم و عصيانهم {وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم 27 - ، مع أنه سبحانه يحب الطهارة و يكره الكفر، فهو هنا أراد ما لا يحبه و ما لم يأمر به، و هي إرادة تتعلق بإرادته الشرعية التي أعطت للإنسان حرية الاختيار بين الإيمان و الكفر على أن يتحمل مسؤوليته في أي طريق يتبعه.

و سابعا إن الشر ليس هو الضُر القبيح فقط كما زعم عبد الجبار، و إنما هو يشمل كل ما يضر سواء كان قبيحا أو ليس قبيحا. و الشر الموجود في العالم منه شر سببه المباشر هو الإنسان، فهو الذي يتسبب في وجوده و يُمارسه بيده، كالشرور التي تترتب عن الحروب و الاعتداءات. و منه شر يُصيب بعض الأقوام سببه الإنسان، لكن لا يُمارسه بيده، و إنما يُعاقبه به الله تعالى بسبب كفره وفساده في الأرض؛ كحال الأقوام الكافرة التي عاقبها الله تعالى بعقاب من عنده كقوم نوح، و عاد، و ثمود، كقوله سبحانه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} الأنفال 54 - . وكحال أهل النار يوم القيامة، فالله سبحانه خلق لهم النار و هي شر لهم، و توعّدهم بها. و هذا العقاب يندرج ضمن العدل الإلهي، فالله تعالى عاقبهم بعدل لا بظلم.

و منه أيضا شر يُصيب الإنسان و الحيوانات من دون دخل من الإنسان، و إنما هو بسبب الفعل الإلهي، لِما قدّره سبحانه من أمراض، و زلازل، و فيضانات، و كوارث أخرى. لكن هذه المصائب و الكوارث التي تضر الإنسان و الحيوان تندرج ضمن الحكمة الإلهية في تقديره للكون من جهة، و لها فوائد على الطبيعة و الإنسان من جهة أخرى.

و لا يغيب عنا أنه يجب النظر إلى وجود الشر في العالم من جهتين: من جهة الفعل، و من جهة الخلق. فأما من جهة الفعل فقد بينا أن منه شر من فعل الإنسان، و منه شر من فعل الله تعالى فَعَله بعدل و حكمة، فهو بالنسبة إليه ليس شرا، و إنما هو شر بالنسبة للإنسان. و أما من جهة الخلق، فليس الإنسان هو الذي يخلق الشر، فهو و إن كان يتسبب في كثير من الشرور بأفعاله القبيحة، لكن ليس هو الذي يخلقها [1] ، و إنما الله تعالى هو الذي يخلقها، لأنه هو الخالق الذي خلق كل شيء، و لا خالق سواه. لقوله سبحانه: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} الأنعام 102 - ،و وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ

(1) سنعود إلى هذا الموضوع في المبحث الثاني من هذا الفصل بحول الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت