فهرس الكتاب
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا الفرقان 2 - ،و {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} الفلق 2 - . و كما أن الله تعالى هو الخالق للشر، فهو المّقدر له أيضا بقضائه و قدره و مشيئته لقول النبي- عليه الصلاة و السلام- (( اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت وتعاليت ) ) [1] .
و ليس صحيحا أن الله تعالى لا يفعل إلا الحسن فقط حسب القاضي عبد الجبار، و إنما الصحيح هو أنه سبحانه كما يفعل الحسن، فإنه يفعل الأحسن و العدل، و الأعدل أيضا. من ذلك أنه خلق النار بكل ما فيها من أنواع العذاب الشديد. و هذا لا شك انه شر بالنسبة لمن يدخلها، و ليس فعلا حسنا في حق من يُعذب بها، و قد توعّد الله بها الكفار و العصاة من عباده. فعمله هذا هو عدل منه، جزاء ما ارتكبوه من كفر و عصيان في الدنيا. فأفعال الله تعالى لا تخرج عن الحكمة، أو عن الحق و الصواب، أو عن العدل، أو عن الرحمة و الفضل. لكن المؤكد شرعا و عقلا أنه لا يُوجد في أفعاله سبحانه ظلم ولا عدوان و لا عبث. قال سبحانه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يونس 44 - ،و {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} يونس 54 - ،و {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} المؤمنون 115 - .
و أما فيما يخص تعلق المشيئة الإلهية بأفعال البشر القبيحة، فهو أمر ثابت شرعا. و قد دلت عليه نصوص من الكتاب و السنة، منها قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} المجادلة 10 - ،و {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} البقرة 102 - . فلا يستطيع السحرة و لا الشياطين، و لا الحساد و لا الظلمة أن يضروا أحدا إلا إذا شاء الله تعالى أن يأذن للفعل بالحدوث، فهي أعمالهم، و قد نهاهم الله عنها، و ليس هو الذي فعلها، لكنه سبحانه هو الذي شاء لها أن تحدث، و إلا ما كان لها تحدث أبدا. و منها نصوص عامة تشمل كل أفعال الإنسان الاختيارية بما فيها من أفعال خيرة و شريرة. لقوله سبحانه: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} التكوير 29 - ،و وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا
(1) ابن حبان: صحيح ابن حبان، حققه شعيب الأرناؤوط، و الحديث صححه المحقق، ج 2، ص: 169.