فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 218

كفر و عمل سوءا، و في هذه الحالة فهو سبحانه أراد ذلك بعدما أراده الإنسان لنفسه.

و كذلك قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} الزمر 7 - ، فهو سبحانه لم يرضه لهم، و قد نهاهم عنه، و حبب إليهم الإيمان و كرّه إليهم الكفر و الفسوق و العصيان، لكنه من جهة أخرى قضاه و قدّره و شاءه بإرادته الكونية، و أراده بإرادته الشرعية التي حذّرهم بها من مغبة ذلك، و قرر بها عقاب من يفعله، فعل كل ذلك فيهم بعدله و حكمته. و ذلك بسبب عصيانهم و كفرهم و تمردهم على شريعة خالقهم، قال سبحانه: {وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم 27 - ، {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} غافر 34،و {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ} غافر 74 - .

و بناء على ذلك فإن القبائح و الانحرافات التي تحدث في الأرض، ليس الله تعالى هو الذي أرادها بمعنى فَعَلها و أمر بها، فهو سبحانه لا يفعل ذلك و لا يأمر به، و إنما حذّر من ذلك، و حدد مصير من يعله. لكن إرادة الإنسان للقبائح و فعله لها هي السبب في تدخل الإرادة لتجعل ما يصدر عنه يكون ضمن المشيئة الإلهية المُقدرة و المُهيمنة، و تُحمّله مسؤولية أفعاله فيما يتعلق بالإرادة الشرعية الأمرية التي بينت له طريق السعادة و أمرته باتباعه، و طريق الشقاء و حذّرته من اتباعه. و هذا كله من كمال الإرادة الألهية، و ليس نقصا و لا عيبا فيها كما أراد أن يُوهمنا به الزمخشري. و بذلك تسقط استدلالاته و شبهاته عندما أراد بها أن ينفي دخول قبائح أفعال البشر في المشيئة الإلهية.

و من مواقفهم أيضا- المتعلقة بالمشيئة الإلهية و قبائح البشر- أن المعتزلة أجمعوا على أن (( الله سبحانه لا يرزق الحرام، كما لا يملك الله الحرام، وأن الله سبحانه إنما رزق الذي ملكه إياهم دون الذي غصبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت