فهرس الكتاب
بالضرورة أن هؤلاء يدخلون في مشيئة الله و إرادته، مع أنه نهاهم عن ذلك، و لم يأمرهم به، و لا هو يحب ما هم فيه من كفر و ضلال. و بما أن الله تعالى أكد في آيات كثيرة أنه هو الذي أضل الكفار بسبب كفرهم و عصيانهم، كقوله سبحانه: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم 27 - ،و {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ} غافر 74 - ، فهذا يعني بالضرورة أنه سبحانه شاء لهم ذلك، لأنه هو الذي أضلهم عدلا و حكما، و لا يُمكن أن يفعل الله بهم ذلك من دون إرادته له. فهم يدخلون في مشيئة الله لأن الشرع أكد على ذلك، و لأن القول بخلافه يعني وجود أشياء خارج الإرادة الإلهية من جهة، و لأن هذا نقص و عيب و طعن في الإرادة الإلهية من جهة أخرى. و من كل ذلك يتبين قطعا أن الله تعالى فرّق بين مشيئته الكونية المهيمنة المطلقة المتعلقة بالخلق و القضاء و القدر، و بين إرادته الشرعية المتعلقة بأوامره و نواهيه تجاه الإنسان. فكل ما يحدث في الكون يدخل في قضاء الله و قدره و مشيئته، لكن منه ما يحبه و أمر بفعله، و منه ما نهى عنه، و ما لا يُحبه.
و أما احتجاج الرجل بقوله تعالى: {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} آل عمران 108 - ، و {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} الزمر 7 - . فهو احتجاج في غير محله، و لا ينفي قضاء الله و قدره و مشيئته المتعلقة بقبائح البشر. لأن الله تعالى لا يريد ظلما للعباد من جهتين: الأولى أنه لا يفعله، و الثانية أنه لم يرده بإرادته الشرعية الأمرية، و إنما نهاهم عنه بها، فهو سبحانه لا يظلم أحدا، و لا يُحب لهم الظلم، و لا أمر به. لكنه من جهة أخرى أراد وجود الظلم الذي فعله البشر بإرادتيه الكونية و الشرعية، و لو لم يرده بهما ما وُجد أصلا. فبإرادته الكونية دخل ذلك الظلم في القضاء و القدر، و بإرادته الشرعية قرر أنه لا يُريد ظُلما و لا كفرا لمن آمن و عَمِل صالحا،، لكنه من جهة أخرى قرر بها أنه يريد ذلك لمن