وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ / [الأنعام: 33] . فهم بقلوبهم يعترفون بالرسالة، ويعرفون أنه رسول الله، لكن منعهم الكبر ومنعهم العناد من الإقرار برسالته.
وكذلك منعهم الحسد كما عند اليهود وعند مشركي العرب، وكان أبو جهل عمرو بن هشام يعترف ويقول: كنا نحن وبنو هاشم متساوين في كل الأمور لكنهم قالوا: منا رسول وليس منكم رسول من أين نأتي برسول؟ فلذلك أنكروا رسالته حسدًا لبني هاشم [1] .
ويقول أبو طالب في قصيدته:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينًا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
يعترف بقلبه برسالة محمد لكن منعته الحمية الجاهلية لقومه فلم يكفر بدين عبد المطلب الذي هو عبادة الأصنام، فهم يعترفون بنبوته بقلوبهم، فلا يكفي الاعتراف بالقلب أنه رسول الله بل لا بد أن ينطق بلسانه.
ثم لا يكفي النطق باللسان والاعتراف بالقلب، بل لا بد من أمر ثالث وهو الاتباع، قال الله تعالى فيه: / فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ / [الأعراف: 157] حتى لو نصره مثل أبي طالب وحامى دونه، وهو يعرف أنه رسول الله لكن لم يتبعه، فإنه ليس بمسلم حتى يتبعه، ولهذا قال الشيخ: ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
فلا بد مع الاعتراف برسالته ظاهرًا وباطنًا واعتقادًا، ولا بد من اتباعه صلى الله عليه وسلم، ويتلخص ذلك في هذه الأربع كلمات التي ذكرها الشيخ رحمه الله:
الأولى: طاعته فيما أمر: يقول الله جل وعلا: / مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ / [النساء: 80] ويقول سبحانه: / وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ / [النساء: 64] .
فقرن طاعة الرسول مع طاعته سبحانه وتعالى، وقرن معصية الرسول مع معصيته / وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا / [الجن: 23] وقال: / وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا / [النور: 54] وقال: /وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ / [النور: 56] فلا بد من طاعته صلى الله عليه وسلم، فالذي يشهد أنه رسول الله تلزمه طاعته فيما أمر لقوله تعالى: / وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا / [الحشر: 7] .
/ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ / [النور: 63] ، عن أمره: أي عن أمر الرسول فلا بد من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثانية: تصديقه فيما أخبر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن أمور كثيرة مغيبة، أخبر عن الله وعن الملائكة، وأخبر عن أمور غائبة، وأخبر عن أمور مستقبلة من قيام الساعة وأشراط الساعة والجنة والنار، وأخبر عن أمور ماضية عن أحوال الأمم السابقة، فلا بد من تصديقه فيما أخبر؛ لأنه صدق لا كذب فيه، قال تعالى: / وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى /إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى / [النجم: 3، 4] .
الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بهذه الأخبار أو هذه الأوامر والنواهي، لا يتكلم بشيء من عنده عليه الصلاة والسلام، إنما يتكلم بوحي من الله عز وجل فأخباره صدق، ومن لم يصدقه فيما أخبر فليس بمؤمن ولا صادق في شهادته أنه رسول الله، كيف يشهد أنه رسول الله ويكذبه في أخباره؟ كيف يشهد أنه رسول الله ولا يطيع أمره؟!.
(1) انظر"السيرة النبوية"لابن هشام 1/ 251 قصة استماع قريش إلى قراءة النبي (