الرَّجُلُ مُمْتَلِئًا مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ عَلَى النَّاسِ، وَكَثِيرًا مَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ، فَيَزْعُمُ أَنَّهُ مُصْلِحٌ وَهُوَ مُفْسِدٌ.
وَهُوَ نَوْعَانِ: أَكْبَرُ، وَأَصْغَرُ [[1] ].
(1) ينقسم النفاق إلى قسمين:
* الأول: نفاق اعتقادى (أكبر) : وهو اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد، فيظهرُ صاحبُه الإسلام ويبطن الكفر، وهو الذي أنكره اللهُ على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار.
وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ «الزنديق» على المنافق، كقول ابن القيم في بيان مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم (الطبقة الخامسة عشرة) : طبقة الزنادقة. وهم قومٌ أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله. وهؤلاء هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النَّار». [طريق الهجرتين 402]
-ومن صور النفاق الأكبر:
1 -تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو تكذيب بعض ما جاء به.
2 -بغض الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو بغض ما جاء به.
3 -المسرة بانخفاض دين الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو الكراهية بانتصار دين الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
4 -عدم اعتقاد وجوب تصديقه - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر.
5 -عدم اعتقاد وجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر.
6 -أذى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو عيبه ولمزه.
7 -مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين.
8 -الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.
9 -التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يخرج من الملة، وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: « ... فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... » .
[نواقض الإيمان الاعتقادية صـ 253 لمحمد الوهيبى، وانظر الإيمان الأوسط ص 181، مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 7]
* الثانى: نفاق عملي (أصغر) : وهو اختلافُ السرِ والعلانيةِ في الأعمال كالرياء، فيظهرُ صاحبُه في هذه الأعمال ما لا يبطن، مع صحةِ إسلامِهِ وسلامةِ معتقدِهِ. فهو النفاق الذي لا يخرجُ من الملة.
ومن أبرزِ خصالِهِ ما ثبتَّ في الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ» .
وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .
ومع أن هذه الخصال من النفاق الأصغر، لكنها قد تؤول إلى النفاق الأكبر المخرج من الملة.
-قال ابنُ القيمِ - رحمه الله: «فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان ولكن إذا استحكم وكمُل فقد ينسلخُ صاحبُه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فإن الإيمان ينهى المؤمنَ عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا» . [الصلاة وأحكام تاركها صـ 6]
-يقول ابن رجب - رحمه الله: «وَالنِّفَاقُ الْأَصْغَرُ وَسِيلَةٌ إِلَى النِّفَاقِ الْأَكْبَرِ، كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكَفْرِ، وَكَمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَذَلِكَ يُخْشَى عَلَى مَنْ أَصَرَّ عَلَى خِصَالِ النِّفَاقِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ فَيَصِيرَ مُنَافِقًا خَالِصًا» . [جامع العلوم والحكم 493،492]