قالَ ابنُ القيمِ - رحمه الله:
وَأَمَّا النِّفَاقُ [[2] ]: فَالدَّاءُ الْعُضَالُ الْبَاطِنُ، الَّذِي يَكُونُ
(1) ذكر ابنُ القيم - رحمه الله - النفاقَ في معرضِ الحديثِ عن منزلة التوبة، وأجناسِ ما يتابُ منه، ولا يستحقُ العبدُ اسمَ «التائب» حتى يتخلصَ منها، وهي اثنا عشر جنسًا مذكورةٌ في كتاب الله - عز وجل -، هي أجناس المحرمات: الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بلا علم، واتباع غير سبيل المؤمنين. [مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (1/ 354 - 367) ط: دار الكتاب العربي]
(2) اختلفَّ أهلُ اللغةِ في أصلِ النفاق:
* فقيل: مأخوذ من النفق، وهو السَّرَبُ في الأرض الذي يُستَتَر فيه؛ لأن المنافقَ يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه.
* وقيل: مأخوذ من نافقاء، والنافقاء موضع يرقِّقه اليربوعُ من جحره، وَهُوَ الَّذِي يخرج مِنْهُ كثيرًا وَيدخل مِنْهُ كثيرًا، فإذا أتى من قِبل القاصعاء [سمي بذلك لِأَنَّهُ يخرج تُرَاب الْجُحر ثمَّ يقصع بِبَعْضِه، كَأَنَّهُ يسد بِهِ فَم الْجُحر، وَمِنْه يُقَال: جُرحُ فلَان قد قصع بِالدَّمِ: إِذا امْتَلَأَ وَلم يسل] ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، ومنه اشتقاق النفاق؛ لأنّ صاحبَه يكتمُ خلافَ ما يُظهر، فكأنَّ الإيمانَ يخرجُ منه، أو يخرجُ هو من الإيمانِ في خفاء.
[معجم مقاييس اللغة لابن فارس 5/ 455، مادة: (ن ف ق) بتصرف وإضافة]
ولعل النسبةَ إلى نافقاءِ اليربوع أرجحُ من النسبة إلى النفق؛ لأن النفقَّ ليس فيه إظهار شيء، وإبطان شيء آخر، كما هو الحال في النفاق.
والحاصل: أن الذي يتحقق فيه الشبه الكامل بين النافقاء والنفاق أمور ثلاثة:
* الأول: أَنه يدْخل فِي الْإِسْلَام بِاللَّفْظِ وَيخرج مِنْهُ بِالْعقدِ، كَمَا يدْخل اليربوع من بَاب وَيخرج من بَاب.
* الثاني: أَنه يستر كفره كَمَا يسْتَتر اليربوع.
* الثالث: أَنه يظْهر غير مَا يضمر، كَمَا أَن ظَاهر جُحر اليربوع تُرَاب كالأرض وَمَا تَحْتَهُ حفر.
[كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزى 3/ 408]
-قال ابنُ القيم - رحمه الله: «ولهذا سمى «منافقًا» أخذًا من نافقاءِ اليربوع
-وهو بيت يحفره ويجعل له أسرابًا مختلفة- وكلما طُلبَ من سَرَبٍ خرج من سَرَبٍ آخر، فلا يتمكنُ طالبُهُ من حصرِهِ في سَرَبٍ واحد ... فأنت منه كقبضٍ على الماءِ، ليس معك منه شيء».
[طريق الهجرتين وباب السعادتين 2/ 787 بتصرف يسير]
-وقال ابنُ رجب - رحمه الله: «وَالَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّ النِّفَاقَ فِي اللُّغَةِ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْخِدَاعِ وَالْمَكْرِ وَإِظْهَارِ الْخَيْرِ وَإِبْطَانِ خِلَافِهِ» . [جامع العلوم والحكم 2/ 481]