وأحمد بن حنبل إمام السنة، وقامع البدعة، وبطل المحنة، طاف الأقطار، وقطع القفار في جمع الآثار، مع الجوع الشديد، والتعب المضني، والفقر المدقع، والزهد الظاهر، ثم ابتلاه الله بالمحنة، فحبس وجلد فما أجاب، فرفعه الله لعلمه وصبره وصدقه، حتى أصبح ذكره في الخالدين، وصار إمامًا للناس أجمعين.
وعمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد العابد المجاهد، مجدد القرن الأول، عزف عن الدنيا وأعرض عن الشهوات وأقبل على العلم والعبادة والزهد والعدل، فأقام الله به السنة وقمع به البدعة، وأنار به طريق الإصلاح وجدَّد به معالم الفلاح، فهو إمام هدى، وعالم ملَّة، ورباني أمة.
وسفيان الثوري زاهد زمانه، وعالم دهره، زهد في الفاني وأقبل على الباقي، وحفظ الحديث، وجوَّد الزاد، وأفتى وعلَّم وأمر ونهى ووعظ، ونصح بنية صادقة وعزيمة ماضية، وهو مع ذلك يحفظ أنفاسه ويربي جلاسه حتى أتاه اليقين.
وعبد الله بن المبارك الذي جمع الله له المحاسن، فهو العالم العامل الزاهد العابد المجاهد المحدث الحافظ الغني المنفق الأديب الفصيح، طيب الذكر، عظيم القدر، منشرح الصدر، دأب في الخير وصبر على التحصيل، وداوم على الفضائل، حتى جعل الله له من القبول ما يفوق الوصف.
والإمام البخاري صاحب الصحيح، فتح الله عليه في العلم، فوصل الليل بالنهار في طلب الآثار حتى صار إمام الأقطار، فضرب بحفظه المثل، مع المعرفة التامة والفهم الدقيق، يزين ذلك خلق كريم وزهد مستقيم، ثم ترك ميراثًا مباركًا في العلم في كتابه الصحيح الذي هو أجل كتاب بعد القرآن، فجزاه الله عن الأمة أفضل الجزاء، وأنزله الفردوس الأعلى.