الصفحة 24 من 54

وقس على هذا الإمام مسلم صاحب الصحيح ومصنفي الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم من المحدثين الأخيار أهل الهمم الكبار.

وانظر لسيبويه، إمام النحو الذي طاف البوادي وشافه العلماء، ثم ألَّف كتابه المسمى بالكتاب، فصار أعظم كتاب في النحو، وصار مَنْ بعده من النحاة عالة عليه، فاستحق الثناء واستوجب الشكر، ونزل منزلة سامية عند أهل الإسلام، لفرط ذكائه ولبراعته، ومئات النحاة تزينت بهم الكتب وأشرقت بهم المجالس، ولولا الإطالة لأشرت لكل واحد منهم، وإنما أكتفي بالأعيان ومن له ذكر وأثر وتفرد وتميّز.

وهذا محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير، جمع الفنون وصنف التصانيف، وحاز قصب السبق في تفسير كتاب الله حتى صار شيخ المفسرين، وصار كتابه أعظم كتاب في هذا الفن، فتداوله الملوك، وتباشرت به الأقطار، ونهلت من فيضه الأجيال، فهو مرجع كل مفسر، ومعتمد كل عالم لكتاب الله تعالى.

وهذا ابن حبان صاحب الصحيح، المحدث الأعجوبة الذكي العبقري اللوذعي، طاف البلدان، وهجر الأوطان، وبرع في هذا الشأن؛ حتى روى عن ألفين من الشيوخ؛ ومن شاء فلينظر إلى كتابه الصحيح وكتبه الأخرى، فإن فيها من التبحر والدقة والبراعة ما يفوق الوصف.

ومن الأئمة الكبار أبو اسحق الشيرازي الفقيه الشافعي صاحب المؤلفات الذائعة الشائعة الماتعة النافعة، كان يكرر درسه مائة مرة، ويعيد القياس ألف مرة، حتى نحل جسمه من علوِّ همته، وقوة عزيمته، وفيه يقول الشاعر:

تراه من الذكاء نحيل جسم ... عليه من توقده دليل

إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضيره الجسم النحيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت