الصفحة 25 من 54

ومن الفلاسفة الأذكياء وأهل المنطق والأطباء ابن سيناء الرئيس، فإنه برع في فنونه، وسهر الليالي في مذهبه، وجدَّ وحصّل وثابر وواصل، حتى صار يضرب بهمته المثل، وكان يكتب كل يوم كراسة، وصار أعجوبة الأعاجيب في تخصصه، وأحد أذكياء العالم على فسادٍ في مذهبه.

والفارابي الفيلسوف كان بزي جندي، انصب وانكب على كتب اليونان حتى رسخ فيها، وأدمن النظر في ضوابطها حتى أتقنها، وصار من أكبر الفلاسفة لصبره وهمته، وجلده، فيما توجه له من مذهب.

والرازي الفخر صاحب التفسير جمع فأوعى، وصنف وألف، ودرَّس ووعظ، وخطب وكتب وصار عين زمانه وقريع دهره في بهجة مع الأبهة والفخامة الدنيوية والثراء الفاحش والله الموعد.

ومن العلماء الربانيين الإمام النووي مات في سن الأربعين، لكنه ترك علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وحسبك برياض الصالحين، وهذا الإمام واصل ليله بالنهار، وصام وقام، وسطع ولمع، وجمع في العلم، وهجر الكرى، وجد في السرى، حتى اعتزل الزواج ليتفرغ للعلم، فأتى فيه بالعجب العجاب.

وشيخ الإسلام وعلم الأعلام ابن تيميه سيد العلماء وكبير الفقهاء، جد في الطلب فحاز الرتب، حقق ودقق ووثق، ودرَّس وخطب، وأفلح حتى صار مجدد قرنه، ومصلح زمانه، وترك من التأليف ما يفوق الوصف براعة، وحسنًا وأصالة، وعمقًا، فهو حقيقة مضرب المثل للعالم الرباني، العامل بعلمه زهدًا وخشية وإنابة وجهادًا وصدقًا وتواضعًا وكرمًا وشجاعة وإمامة، وما حصل على هذا الفضل بعد فتح الله وكرمه إلا بصبر وجلد، وسهر وتعب، ومشقة ونصب، لأنه كان ذا همة عارمة، لا تقبل الأدنى، وعزيمة صارمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت