وفي حديث طويل ذكره أبو الفرج الأصبهاني أن عروة بن الورد خرج متصعلكا فدنا من منازل هذيل ليلًا وأوقد نارًا، ثم دفنها على مقدار ثلاثة أذرع، وصعد سرحة، ووصل الحي بعد وهن قال: فوقف رجل منهم على فرس له على موضع النار، وقال: أقسم بالله لقد رأيت على البعد نارًا أوقدت هاهنا، فنزل رجل فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئًا فأقبل أهل الحي على الرجل يؤنبونه، ويقولون له: كذبت عينك، ثم انصرفوا. قال عروة فتبعت الرجل فدخل إلى بيتٍ من بيوت الحي، فدخلت وراءه واختبأت في جانب البيت، وخرج الرجل من بيته لبعض مآربه فخالفه إلى امرأته رجل آخر، وأنا أنظر فقدمت له لبنًا فشرب ثم شربت بعده، وانصرف، ووصل زوجها فعرضت عليه بقية اللبن فلما ذهب ليكرَعَ فيه قال: أقسم بالله لقد شممت في هذا اللبن ريح رجل، فقالت له: وأي رجل يدخل بيتك، وجعلت تؤنبه إلى أن قر وسكن، وآوى إلى فراشه. قال عروة فقمت إلى الفرس فضرب برجله ونفخ فثار الرجل من نومه، وقال: ما كنت لتكذبيني فمالك؟ فأقبلت عليه امرأته لوما، فعاد الرجل، قال عروة: فاعروريت الفرس وسرت به ركضًا فلحقني الرجل على فرس له أنثى وسمعته يقول في ركضه: الحقي فإنك من نسله، فلما انقطع عن البيوت قلت: أيها الرجل إنك لو عرفتني لم تقدم علي، أنا عروة بن الورد، وقد رأيت الليلة منك عجبًا، فأخبرني عنه، وأنا أرد إليك فرسك. قال: وما ذاك؟ قال: جئت مع قومك حتى ركزت رمحك في موضع نار كنت أوقدتها فثنوك عن ذلك فانثنيت، ثم شممت ريح رجل في إنائك وصدقت في ذلك وقد رأيت الرجل وبينه وبين زوجتك ما لا تحب فثنتك عن ذلك فانثنيت، ثم خرجت إلى فرسك فتحرك فقمت إليه ثم ثنتك زوجك فانثنيت، فرأيتك في هذه الخصال أكمل الناس، ولكنك تنثني وترجع، فضحك وقال: أما ما رأيت من صرامتي فمن قِبل أعمامي وهم من هذيل، وأما ما رأيت من لكاعتي فمن قبل أخوالي وهم بطن من خزاعة، والعرق دساس، ولولا ذلك لم يقوَ على مناوأتي أحد من العرب قال عروة: فقلت له: خذ فرسك راشدًا، فقال: ما كنت لآخذه منك فإن عندي من نسله جماعة خيرًا منه فخذه مباركًا لك فيه. وقال آخر:
لا تشتمن امرأً من أن يكون له ... أم من الروم أو سوداء عجفاء
وإنما أمهات القوم أوعية ... مستودعات وللإنجاب آباء
ورب مُعْرِبَةً ليست بمنجبة ... وربما أنجبت للفحل عجماء
وقال الجاحظ: قال عثمان بن أبي العاص لبنيه: يا بني إن الناكح مغترس فلينظر أمرؤ حيث يضع غرسه، والعرق السوء قل ما ينجب، وإني قد اتخذتكم في أمهاتكم.
قال الراوي: فسمع ابن عباس هذا الكلام فأمر بكتبه.
قال الزبير بسنده عن قدامة بن إبراهيم (الجمحي) قال: حضرت رجلًا من ربيعة الوفاة فقال لابنه: يا بني إذا حزبك أمر فاحكك ركبتيك بركبة من هو أسن منك، ثم استشره، قال: فمات أبي فأردت التزوج فجئت شيخًا من قومه فجلست في ناديه، فلما قام من عنده قال: ألك حاجة يا ابن أخي؟ قلت: نعم يا عم إني أريد التزوج. قال: أطويلة النسب أم