الصفحة 6 من 10

(50) وقول عمر:"لا خلافة إلا عن مشورة" (51) .

ومن وصية عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت"ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد فأمروا أحدكم، فمن تأمر من غير مشورة فاضربوا عنقه" (52) وفي رواية"تشاوروا ثم أجمعوا أمركم في الثلاث واجمعوا أمراء الأجناد، فمن تأمر منكم دون مشورة من المسلمين فاقتلوه" (53) .

بل إن في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم كفاية للمستكفي:"عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" (54) . ومن المعلوم أنه بدون الشورى لن يكون أمر الناس مجتمعا على رجل واحد. ويكفي هذا دلالة على وجوب الشورى المتعلقة ببناء السلطة، وعلى إلزامية نتيجتها.

ولا يشترط الإجماع في اختيار الحاكم لتعذره عادة، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من"منهاج السنة"، وإنما يكفي حصول أغلبية. بل هذا هو عمل الصحابة رضي الله عنهم. فأبو بكر اعترض على بيعته سعد بن عبادة رضي الله عنه مدة حياته، واعترض عليها علي رضي الله عنه مدة ستة أشهر، ثم بايع بعد ذلك"ولم يكن بايع تلك الأشهر" (55) لكن ذلك لم يؤثر في شرعية قيادته ووجوب طاعته. وعلي اعترض على خلافته عدد من كبار الصحابة في المدينة - حصرهم البعض في سبعة عشر - كما اعترض عليها أهل الشام، ومع ذلك"فخلافته صحيحة بالاجماع، وكان هو الخليفة في وقته، لا خلافة لغيره" (56) .

وأما المشاورة ذات الصلة بأداء السلطة وتسييرها، فهي واجبة ابتداء، لكن نتيجتها قد تكون ملزمة أو معلمة حسب الحالة. وتدل السنة السياسية على أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم بنتيجة المشاورة في الأمور العامة إلا في حالتين:

· الحالة الأولى: أن يكون لديه وحي من الله من تعالى في الأمر، فليس له خيار سوى الإذعان، وليست مشاورته لأصحابه في هذه الحالة سوى إعلام وإقناع باتباع التوجيه الرباني في هذا الشأن. ومن أوضح الأمثلة على ذلك صلح الحديبية الذي أصر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، رغم رفض السواد الأعظم من أصحابه للصلح ابتداء، كما يتضح من قصة أم سلمة المتقدمة. وسبب رفض المسلمين لصلح الحديبية ابتداء هو أنه"كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك" (57) وقد كان عمر رضي الله عنه أرفع الناس صوتا برفض هذا الشرط الذي رآه ورآه المسلمون معه مجحفا"فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا" (58) وفي رواية:"قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" (59) وفي روايات أخرى:"قال: إني رسول الله ولست أعصي ربي وهو ناصري" (60) "قال: إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني" (61) . ومن الواضح من بعض روايات هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم لم يصر على الصلح يوم الحديبية عن رأي منه واجتهاد، وإنما عن أمر إلهي ليس له أن يحيد عنه، وهو ما تنطق به عبارات الروايات الأخيرة التي أوردناها:"ولست أعصي ربي""ولن أعصيه""ولست أعصيه". فليس لمسلم - فكيف بنبي - أن يعصي أمر الله تعالى مراعاة لخواطر الناس، أو حرصا على الأخذ بمشورتهم.

· الحالة الثانية: إذا كانت عملية المشاورة قد اكتملت، واستقر رأي الجماعة على خيار بعينه، وصدر القرار بتبني ذلك الخيار. بحيث يصبح التراجع والتردد أمرا لا يحتمل، نظرا لما يترتب عليه من ظهور الضعف والتخاذل داخل الصف المسلم. ولعل قصة الخروج إلى قريش لقتالها عند جبل أحد تصلح مثالا هنا. فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم رأى السواد الأعظم من أصحابه بالخروج إلى أحد، ولم يكن ذلك رأيه، بل كان يرى المقام واتخاذ موقف دفاعي في المدينة. لكن حينما ندم بعض الناس على رأيهم الأول، وطلبوا منه الرجوع إلى موقفه الأول، أبى ذلك، لأنه ترددٌ يفضي إلى ظهور الضعف وعدم القدرة على الحسم لدى القيادة النبوية، وهو ما لا يجوز في حق القادة السياسيين والعسكريين الناجحين في أي زمان ومكان، فكيف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وقد جاء رده صلى الله عليه وسلم معبرا:"ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". والحق أن إصرار النبي صلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت