قال ابن المنيرّ: قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها، استيفاء ثمرات الأذان، فالأولى فيها فضل التأذين لقصد الاجتماع للصلاة، والثانية فيها فضل أذان المنفرد لإيداع الشهادة له بذلك، والثالثة فيها حقن الدماء عند وجود الأذان [1] .
قال الخطابي: فيه أن الأذان شعار الإسلام، وإنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه [2] . وقال صاحب كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة [3] : وأجمعوا على أنه إذا اتفق أهل بلد على ترك الأذان والإقامة قوتلوا لأنه من شعائر الإسلام فلا يجوز تعطيله.
قلت: وفي هذا رد على الذين يقولون عند إنكار الزيادة على الأذان المشروع: (إذا كان إنكاركم يؤدي إلى الخلاف وتفريق الكلمة، فترك الأذان أولى لأنه سنة والاجتماع واجب) .
وفساد هذا القول ظاهر، وهو من السخافة بمكان، ذلك أن قائله لم يتأسس بالعلم الشرعي، ولم يتأصل بالقواعد الشرعية، ولو أنَّه كلما حنقت فرقة من الفرق المنحرفة عن السُّنَّة على سنة من السنن تركنا تلك السنة لأدى ذلك إلى تجريد الدين من سننٍ كثيرة هي من شعائر الإسلام.
وقد أجاب رسول الله - على هذه الشبهة بقوله:» فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة « [4] .
فأمر باتباع سنته وترك الاختلاف عليها، لا ترك السنة والاجتماع بدونها!!
وهذا بخلاف أن يترك المسلم سنةً أو مستحبًا من المستحبات مرةً أو مرتين أو بعض المرات لتأليف القلوب، فهذا من باب تحديث الناس بما يعرفونه، فإذا كانوا لا
(1) فتح الباري (2/ 107) .
(2) نفس المصدر.
(3) لمصنفه أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي (27) .
(4) رواه أحمد (4/ 126) وأبو داود (4607) وابن ماجه (43) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (937) .